الدوجونج .. حين تطلب أفيال البحر الأحمر النجاة من الأنقراض
في صمت لا يقطعه سوى حركة المدّ والجزر، تنساب أجساد ضخمة بطيئة تحت سطح مياه البحر الأحمر، كأنها أطياف قديمة تعرف هذا المكان منذ آلاف السنين، هناك، بين مروج الأعشاب البحرية القريبة من الشاطئ، يعيش الدوجونج؛ أحد أندر الثدييات البحرية في العالم، وكائنٌ بات وجوده معلقًا بخيط رفيع بين البقاء والاندثار.
يُطلق على الدوجونج لقب «فيل البحر»، ليس فقط لضخامته، بل لملامحه الوديعة التي تشبه في هدوئها نظرة الأفيال البرية، جسده الأسطواني الكبير، وذيله العريض، وحركته البطيئة المتزنة، كلها تفاصيل تجعله يبدو وكأنه كائن خرج من زمن آخر، زمن كانت فيه البحار أقل ضجيجًا، والإنسان أقل حضورًا.

كائن مسالم في عالم صاخب
الدوجونج ليس مفترسًا، ولا يعرف العنف سبيلًا لحياته، غذاؤه الوحيد هو الأعشاب البحرية، تلك النباتات التي تنمو في القيعان الرملية الضحلة، والتي يقضي ساعات طويلة في اقتلاعها بهدوء مستخدمًا شفتيه القويتين وحاسة شم دقيقة، وبينما قد يرى البعض في هذا السلوك بساطة، فإن العلماء يرون فيه دورًا بيئيًا بالغ الأهمية، إذ يساهم الدوجونج في الحفاظ على صحة مروج الأعشاب وتجديدها، ما يدعم منظومة بحرية متكاملة تعيش عليها مئات الكائنات الأخرى.
لكن هذه البساطة نفسها تحولت إلى نقطة ضعف، فالدوجونج يعتمد كليًا على بيئة محددة، وإذا اختفت الأعشاب البحرية، اختفى معها.
البحر الأحمر.. ملاذ يتقلص
تُعد السواحل المصرية للبحر الأحمر من أهم المواطن المتبقية للدوجونج، لا سيما في مناطق مثل مرسى علم، أبو دباب، وادي الجمال، ومرسى شونة، هذه المناطق كانت يومًا ما ملاذًا آمنًا، لكنها اليوم تواجه ضغوطًا متزايدة بفعل التوسع السياحي، وزيادة حركة القوارب، والتلوث البحري.
فالقوارب السريعة لا ترى في المياه الضحلة سوى طريقًا مختصرًا، لكنها بالنسبة للدوجونج تمثل خطرًا قاتلًا، والتلوث، وإن بدا غير مرئي أحيانًا، يفتك بجودة الأعشاب البحرية، مقللًا من قدرتها على النمو، وبالتالي من قدرة الدوجونج على البقاء.

كائن مهدد.. ورسالة تحذير
اليوم، يُصنّف الدوجونج ضمن الكائنات المهددة بالانقراض عالميًا، وهو تصنيف لا يخصه وحده، بل يعكس حالة الخلل التي أصابت النظم البيئية البحرية، فاختفاء الدوجونج لا يعني فقدان نوع نادر فحسب، بل يشير إلى انهيار تدريجي في توازن بيئي دقيق.
ويرى خبراء البيئة أن الدوجونج يُعد مؤشرًا بيئيًا حيًا؛ وجوده يعني أن البحر بصحة جيدة، وغيابه يعني أن الخلل قد تجاوز مرحلة الإنذار.
بين السياحة والحفاظ..معادلة ممكنة
المفارقة أن الدوجونج نفسه أصبح عنصر جذب سياحي، حيث يأتي الغواصون ومحبو الطبيعة من مختلف دول العالم لرؤيته في بيئته الطبيعية، غير أن هذا الشغف قد يتحول إلى سلاحٍ ذي حدين، إذا لم يُنظم بشكل واعٍ ومسؤول.
من هنا، تتجه الجهود البيئية إلى تبني مفهوم السياحة البيئية المستدامة، التي توازن بين الاستفادة الاقتصادية وحماية الكائنات البحرية، ويشمل ذلك تنظيم حركة القوارب، وتحديد مناطق محمية، وتوعية السياح والسكان المحليين بأهمية هذا الكائن ودوره في النظام البيئي.
الدوجونج.. اختبار وعي الإنسان
قصة الدوجونج ليست مجرد حكاية عن كائن مهدد، بل هي اختبار حقيقي لوعي الإنسان وقدرته على التعايش مع الطبيعة دون تدميرها، فإما أن نختار طريق الحماية، ونحافظ على هذا الكائن الفريد ليظل شاهدًا حيًا على ثراء البحر الأحمر، أو نواصل تجاهل الإشارات حتى يصبح الدوجونج مجرد صورة في كتاب عن كائنات انقرضت.
وفي أعماق البحر، ما زال الدوجونج يسبح ببطء، غير مدرك أن مصيره لم يعد بيد الطبيعة وحدها، بل بيد الإنسان.


