رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لوحة نارمر في المتحف المصري بالتحرير.. حجر أعلن ميلاد الدولة المصرية

لوحة نارمر في المتحف
لوحة نارمر في المتحف المصري بالتحرير

تُعد لوحة نارمر واحدة من أهم القطع الأثرية المعروضة في المتحف المصري بالتحرير، ليس فقط لقيمتها الفنية، بل لأنها تمثل لحظة فاصلة في تاريخ الإنسانية، لحظة ميلاد الدولة المصرية الموحدة، فهذه القطعة الصغيرة نسبيًا في حجمها، تحمل على سطحها قصة سياسية كاملة، تُعد أقدم سجل مصوّر لتأسيس دولة مركزية في العالم.

حجر الشست الأخضر

اللوحة مصنوعة من حجر الشست الأخضر، وتعود إلى أواخر عصر ما قبل الأسرات وبدايات الأسرة الأولى، وتُجسد الملك نارمر، الذي يُنسب إليه توحيد القطرين الشمالي والجنوبي. على وجهي اللوحة، تُعرض مشاهد متتابعة بلغة رمزية دقيقة، تمثل انتصار الملك، وإخضاع الأقاليم، وفرض النظام.

في أحد المشاهد الأكثر شهرة، يظهر الملك رافعًا ذراعه ليضرب عدوًا جاثيًا على ركبتيه، في وضعية أصبحت لاحقًا نموذجًا ثابتًا في الفن المصري عبر العصور، هذه الصورة ليست مشهد عنف بقدر ما هي رمز لفرض النظام، حيث يُقدم الملك باعتباره القوة التي تُنهي الفوضى وتُقيم «ماعت»؛ أي العدالة والاتزان.

اللافت في لوحة نارمر أنها لا تعتمد على الواقعية المباشرة، بل على نظام بصري معقد، يمزج بين الرمز والنص والصورة، فالتاج الأبيض يظهر في مشهد، بينما يظهر التاج الأحمر في مشهد آخر، في إشارة واضحة إلى السيطرة على القطرين، كما تُستخدم الحيوانات الأسطورية ذات الأعناق المتشابكة للدلالة على الوحدة والاندماج السياسي.

أهمية اللوحة تتجاوز كونها عملًا فنيًا؛ فهي تُعد أول وثيقة سياسية مصورة في التاريخ. هنا، لا يكتفي الملك بالنصر، بل يعلن شرعيته، ويؤسس لفكرة الحكم المركزي، ويضع الأسس الأولى للخطاب السياسي المصري الذي استمر آلاف السنين.

داخل المتحف المصري بالتحرير، تحتل لوحة نارمر مكانة محورية، لأنها تمثل البداية الحقيقية لكل ما جاء بعدها: الملوك، المعابد، القوانين، والبيروقراطية، ومن دون هذه اللحظة التأسيسية، ما كان لمصر أن تتحول إلى واحدة من أطول الحضارات عمرًا في التاريخ.

بعد نقل كنوز توت عنخ آمون، تزداد أهمية لوحة نارمر بوصفها قطعة لا يمكن نقل رمزيتها إلى أي متحف آخر؛ فهي حجر الأساس الذي بُنيت عليه الدولة المصرية. قطعة صامتة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها إعلان سياسي خالد، نُقش على الحجر ليبقى إلى الأبد.

تم نسخ الرابط