رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

: زرافات وقرود وكائنات أسطورية.. أغرب الحيوانات التي ظهرت على جدران المعابد المصرية.

نقوش المعابد المصرية
نقوش المعابد المصرية

لم تكن جدران المعابد المصرية القديمة مجرد مساحات لتسجيل انتصارات الملوك أو تصوير الطقوس الدينية وتقديم القرابين للآلهة، بل تحولت إلى سجلات مصورة وثقت جانبًا واسعًا من الحياة الطبيعية التي عرفها المصري القديم، بما فيها الحيوانات والطيور والزواحف والكائنات التي ارتبطت بالمعتقدات والأساطير.

وبين النقوش التي تظهر الزرافات والقرود والتماسيح وأفراس النهر، وصور الكائنات المركبة التي تجمع أجزاء من حيوانات مختلفة، ترك المصري القديم مشاهد فنية تكشف عن معرفته بالبيئة المحيطة به، واتصالاته بالمناطق البعيدة، ونظرته إلى عالم الحيوان باعتباره جزءًا من نظام الكون والحياة الدينية.

وتكشف هذه الصور أن بعض الحيوانات لم تكن مجرد عناصر للزينة، وإنما ارتبطت بالسلطة والحماية والخصوبة والعالم الآخر، كما استخدم الفنانون المصريون تفاصيل دقيقة في تصوير أشكالها وحركاتها وسلوكها.

الزرافة.. ضيف غير مألوف في المشاهد المصرية القديمة

Nina de Garis Davies - Nubians with a Giraffe and a Monkey, Tomb of Rekhmire - New Kingdom - The Metropolitan Museum of Art

من الحيوانات التي تستوقف النظر في الفن المصري القديم الزرافة، ذلك الحيوان صاحب الرقبة الطويلة الذي عرفه المصريون القدماء من خلال اتصالهم بالمناطق الإفريقية الواقعة جنوب مصر.

ولم تكن الزرافة حيوانًا يعيش بصورة طبيعية في وادي النيل خلال العصور التاريخية المعروفة، لكنها ظهرت في مناظر فنية قديمة، خاصة في مشاهد تقديم الحيوانات والمنتجات القادمة من المناطق الجنوبية.

ومن أبرز الشواهد على ذلك مناظر مقبرة رخمي رع، أحد كبار رجال الدولة في عصر الملك تحتمس الثالث، حيث تظهر حيوانات ضمن مواكب تمثل الشعوب والمناطق التي قدمت الجزية والهدايا إلى مصر.

وتظهر في هذه المشاهد زرافة بصحبة حيوانات أخرى، من بينها القرود، وهو ما يعكس معرفة المصريين بأنواع من الحياة البرية التي لم تكن مألوفة في بيئتهم المحلية.

ولم يكن ظهور الزرافة مجرد تسجيل لحيوان غريب، بل كان دليلًا بصريًا على اتساع علاقات مصر القديمة مع المناطق الإفريقية، وعلى وصول حيوانات ومنتجات من بيئات بعيدة إلى البلاط الملكي.

قرود البابون.. حيوانات عبرت البحار ووصلت إلى المعابد

Mummified Baboons Shine New Light on the Lost Land of Punt | Dartmouth

تعد قرود البابون من أكثر الحيوانات إثارة للاهتمام في النقوش المصرية القديمة، فقد ظهرت في مشاهد دينية وفنية متعددة، وارتبطت بالمعبود تحوت، الذي اتخذ أحيانًا هيئة قرد البابون أو هيئة إنسان برأس طائر أبو منجل.

وكان البابون يحمل دلالات دينية مهمة، كما ارتبط في بعض التصورات المصرية القديمة بالشمس وشروقها، نتيجة ملاحظة سلوك هذه القرود وأوضاعها عند بداية النهار.

ومن أبرز المشاهد التي توثق وجوده مناظر معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحري، التي تسجل رحلة البعثة المصرية إلى بلاد بونت خلال عصر الدولة الحديثة.

وتظهر النقوش قرود البابون ضمن الحيوانات التي جرى إحضارها من تلك المنطقة، في مشهد يعكس اهتمام المصريين بالحصول على منتجات وحيوانات من الأراضي البعيدة.

كما تكشف الدراسات الحديثة أن بعض أنواع القرود التي ظهرت في الفن المصري القديم لم تكن من الحيوانات المحلية في مصر خلال فترات تاريخية معينة، وإنما جرى جلبها من مناطق جنوبية، وهو ما يفتح المجال لفهم أوسع لشبكات التجارة والاتصال في العالم القديم.

فرس النهر.. حيوان ضخم ارتبط بالقوة والخطر

كان فرس النهر من الحيوانات المعروفة في البيئة المصرية القديمة، خاصة في المناطق القريبة من نهر النيل والمستنقعات، وظهر في مشاهد الصيد والنقوش الفنية، كما ارتبط بمعتقدات دينية متعددة.

ولم ينظر المصري القديم إلى هذا الحيوان باعتباره مجرد جزء من الحياة البرية، فقد كان يمثل قوة كبيرة وخطرًا حقيقيًا بسبب حجمه وسلوكه، ولذلك ظهر في بعض المشاهد بوصفه حيوانًا ينبغي السيطرة عليه.

وفي المقابل، ارتبطت أنثى فرس النهر بالمعبودة تاورت، التي اتخذت هيئة تجمع بين ملامح فرس النهر وبعض السمات الحيوانية الأخرى، وكانت مرتبطة بالحمل والولادة وحماية النساء والأطفال.

وهنا تظهر إحدى المفارقات اللافتة في العقيدة المصرية القديمة؛ فالحيوان الذي يمكن أن يمثل خطرًا في الطبيعة تحول في صورته الدينية إلى رمز للحماية والرعاية.

التمساح.. من مفترس النيل إلى رمز للمعبود سوبك

Free picture: Egyptian relief from the 6th dynasty, a scene of a fight between a hippopotamus and a crocodile, tomb of Kagemni, Saqqara

احتل التمساح مكانة بارزة في عالم المصري القديم، خاصة أنه كان من الحيوانات التي تعيش في نهر النيل، وكان ظهوره يمثل مصدرًا للخطر بالنسبة إلى السكان والصيادين.

لكن هذه العلاقة لم تقتصر على الخوف منه، فقد ارتبط التمساح بالمعبود سوبك، الذي ظهر في هيئة تمساح أو إنسان برأس تمساح، وارتبط بالمياه والخصوبة والقوة والحماية في عدد من المراكز الدينية.

ومن أبرز المواقع التي ارتبطت بعبادته منطقة الفيوم، حيث ازدهرت طقوس سوبك، كما عُرف معبده في كوم أمبو بصعيد مصر، الذي جمع بين عبادة سوبك والمعبود حورس الأكبر.

وتكشف المناظر الدينية المرتبطة بسوبك عن مكانة التمساح في المعتقدات المصرية، كما توضح أن الحيوانات التي عاش المصريون بالقرب منها كان من الممكن أن تتحول إلى رموز ذات دلالات دينية عميقة.

النعامة.. طائر الصحراء الذي ارتبط بالريش والاتساع

ظهرت النعامة في الفن المصري القديم ضمن مشاهد الصيد والمناظر التي توثق الحيوانات الصحراوية، كما ارتبط ريشها بالرمزية الدينية والفنية.

وكان ريش النعام من العناصر التي استخدمت في الزينة وصناعة بعض الأدوات، كما ارتبط الريش في التصوير الديني بمفهوم العدالة والحق، خاصة ريشة المعبودة ماعت التي استخدمت رمزًا للاتزان والنظام الكوني.

وتعكس صور النعام معرفة المصريين بالحياة البرية في المناطق الصحراوية، واتصالهم ببيئات تتجاوز وادي النيل الزراعي.

القنفذ.. حيوان صغير يحمل دلالات أكبر من حجمه

قد يبدو القنفذ حيوانًا بسيطًا مقارنة بالأسود والتماسيح والقرود، لكنه ظهر في الفن المصري القديم على بعض الأدوات والتمائم والقطع الفنية.

وقد جذبت هيئته المميزة، بأشواكه وقدرته على الالتفاف حول جسده، انتباه الفنان المصري، الذي استطاع تحويل شكله إلى تصميمات صغيرة ذات طابع زخرفي ورمزي.

وتكشف صور القنفذ وغيرها من الحيوانات الصغيرة عن اهتمام المصري القديم بتفاصيل البيئة المحيطة، وعدم اقتصار تسجيله للحياة البرية على الحيوانات الضخمة أو المرتبطة بالملوك والآلهة.

الأسد.. رمز القوة الملكية والحماية

لم يكن الأسد غريبًا على الفن المصري القديم، لكنه احتل مكانة خاصة بين الحيوانات التي ظهرت في المعابد والتماثيل والمناظر الملكية.

فقد ارتبط الأسد بالقوة والسيادة والشجاعة، واستخدمت صورته في التعبير عن قدرة الملك على هزيمة الأعداء وحماية البلاد.

كما ارتبطت اللبؤة بعدد من المعبودات، من بينها سخمت، التي ظهرت في هيئة امرأة برأس لبؤة، وكانت مرتبطة بالقوة والحرب والحماية، فضلًا عن ارتباطها بمعتقدات الشفاء والمرض.

ولم يقتصر حضور الأسد على التصوير الديني، بل ظهر كذلك في مشاهد الصيد الملكي، التي كانت تعكس قدرة الحاكم على السيطرة على القوى الخطرة في الطبيعة.

أميت.. كائن أسطوري يجمع ثلاثة حيوانات في جسد واحد

إذا كانت الزرافة والبابون والتمساح حيوانات حقيقية عرفها المصري القديم، فإن بعض النقوش والمناظر الدينية قدمت كائنات لم توجد في الطبيعة، وإنما جمعت صفات أكثر من حيوان في صورة واحدة.

ومن أشهر هذه الكائنات المعبودة أميت، المعروفة باسم «آكلة الموتى» أو «ملتهمة القلوب»، التي ظهرت في مناظر محاكمة المتوفى في العالم الآخر.

وجمعت أميت بين رأس التمساح وأجزاء من جسد فرس النهر والأسد، في هيئة مخيفة تعكس وظيفتها داخل التصور الديني المصري القديم.

وكانت تظهر في مشاهد وزن القلب أمام ريشة ماعت، فإذا ثبت عدم صلاحية المتوفى للحياة الأبدية، تتولى أميت التهامه، وفق التصور الديني الذي سجلته نصوص ومناظر العالم الآخر.

وتعد هذه الصورة من أبرز الأمثلة على قدرة المصري القديم على توظيف صفات الحيوانات المختلفة في ابتكار كائنات رمزية تحمل معاني دينية وفلسفية.

تم نسخ الرابط