كيف وصلت مومياوات الفراعنة إلى بريطانيا؟.. تفاصيل رحلة استمرت قرنين
أعادت قرارات متاحف بريطانية إخفاء مومياوات مصرية قديمة عن أنظار الزائرين فتح ملف تاريخي شائك يتعلق بكيفية انتقال الأجساد المحنطة من مصر إلى المجموعات الأوروبية، والظروف التي أحاطت باقتنائها على مدار القرون الماضية، في وقت تتزايد فيه المناقشات حول أخلاقيات عرض الرفات البشرية وحقوق الدول في تراثها التاريخي.
وتعود قصص وصول المومياوات المصرية إلى المتاحف الأوروبية إلى فترات مختلفة، بدأت بالمجموعات الخاصة والهدايا، ثم توسعت مع نشاط التنقيب الأثري خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما انتقلت مقتنيات مصرية إلى مؤسسات أجنبية عبر مسارات متعددة، شملت الشراء والإهداء وتقسيم بعض مكتشفات الحفائر، في ظل تغير القوانين المنظمة لحماية الآثار المصرية.
وتبرز أهمية هذا الملف في أن تحديد الوضع القانوني لكل مومياء يتطلب الرجوع إلى تاريخ اقتنائها والوثائق المرتبطة بها، إذ لا يمكن التعامل مع جميع الحالات باعتبارها متطابقة، لاختلاف الظروف التي خرجت فيها المقتنيات من مصر والتشريعات السارية آنذاك.
المتحف البريطاني وتاريخ اقتناء المومياوات المصرية
توضح دراسة نشرها المتحف البريطاني ضمن كتاب “احترام الموتى: الرفات البشرية في المتحف البريطاني”، للباحث جون إتش تايلور، أن تكوين مجموعة المومياوات المصرية ارتبط بتطور أنشطة جمع الآثار والتنقيب عنها خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، مشيرة إلى أن الوثائق المتعلقة بتاريخ انتقال بعض المومياوات إلى المتحف لا تزال غير مكتملة.
وبدأ وجود المقتنيات المرتبطة بالمومياوات المصرية في المتحف البريطاني مع تأسيسه عام 1753، عندما ضمت مجموعة الطبيب وجامع المقتنيات هانز سلون جسما ملفوفا داخل تابوت خشبي مزخرف، تبين لاحقا أنه تركيب غير أصيل بالكامل، استخدمت فيه عظام طائر أبو منجل وبقايا لفائف تحنيط قديمة.
وفي عام 1756، تلقى المتحف مومياوات مصرية حقيقية ضمن مقتنيات عائلة ليثيولييه البريطانية، وكانت إحدى هذه المومياوات قد وصلت إلى بريطانيا من مصر عام 1721، قبل انتقالها إلى المتحف ضمن مجموعة من الإهداءات.
وتكشف هذه الوقائع المبكرة عن الدور الذي أدته المجموعات الخاصة والهدايا في انتقال المومياوات المصرية إلى المؤسسات الأوروبية، قبل انتشار الحفائر الأثرية المنظمة على نطاق أوسع خلال القرن التاسع عشر.
من الدراسة العلمية إلى عروض فك لفائف المومياوات أمام الجمهور
لم يقتصر الاهتمام الأوروبي بالمومياوات المصرية على جمعها وحفظها، بل تحول خلال القرن التاسع عشر إلى ظاهرة جماهيرية، مع انتشار عروض فك لفائف المومياوات في المنازل والقاعات العلمية والمسارح البريطانية، بحضور أطباء وباحثين وأفراد من الطبقات الاجتماعية المهتمة بالآثار.
ووفق دراسة للباحث جابرييل موشينسكا نشرتها المجلة البريطانية لتاريخ العلوم، اكتسبت هذه العروض شهرة واسعة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، بالتزامن مع تنامي الاهتمام بالحضارة المصرية بعد فك رموز الكتابة الهيروغليفية عام 1822.
وبرز الطبيب البريطاني توماس جوزيف بيتيجرو بوصفه أحد أشهر منظمي عروض فك لفائف المومياوات، إذ جمع بين دراسة الأجساد المحنطة وعرضها أمام جمهور كان يسعى إلى التعرف إلى أساليب التحنيط وما تخفيه اللفائف القديمة.
وامتد هذا الاهتمام إلى المعارض الدولية، ومنها المعرض العالمي في باريس عام 1867، الذي شهد عرضا لفك لفائف مومياء ارتبط باسم عالم الآثار أوجوست مارييت، في انعكاس لاتساع الاهتمام الأوروبي بالمقتنيات المصرية خلال تلك الفترة.
مومياء أسرو.. من مصر إلى متحف مانشستر عام 1825
تمثل مومياء السيدة المصرية «أسرو»، التي قرر متحف مانشستر سحبها من العرض في سبتمبر 2026، نموذجا لتاريخ انتقال الأجساد المحنطة إلى بريطانيا خلال القرن التاسع عشر.
فقد وصلت المومياء وتوابيتها إلى جمعية مانشستر للتاريخ الطبيعي عام 1825 عن طريق الإهداء، لتصبح من أقدم المقتنيات المصرية المرتبطة بالمتحف، وكانت أسرو منشدة للإله آمون في معبد الكرنك، ويعود تاريخ موميائها إلى نحو 2700 عام.
وشهدت المومياء فك لفائفها أمام جمهور علمي في مانشستر خلال القرن التاسع عشر، قبل أن تصبح جزءا من المعروضات المصرية التي استمر عرضها لعقود طويلة.
وتوضح قصة أسرو كيف انتقلت المومياوات من المجموعات الخاصة إلى المؤسسات العلمية والمتاحف العامة، بالتزامن مع تغير أساليب التعامل مع الرفات البشرية، من عروض الفحص وفك اللفائف إلى نقاشات حديثة حول احترام الموتى وطبيعة عرض الأجساد المحنطة أمام الجمهور.
محمد علي باشا يصدر قرارا لحماية الآثار المصرية
بدأت الدولة المصرية اتخاذ خطوات رسمية للحد من خروج الآثار إلى الخارج خلال القرن التاسع عشر، إذ أصدر محمد علي باشا في 15 أغسطس 1835 قرارا بحظر تصدير الآثار المصرية والاتجار بها، مع تخصيص مكان لحفظ المقتنيات الأثرية في القاهرة.
ومثل القرار خطوة مبكرة في مسار التشريعات المصرية الخاصة بحماية التراث، بعدما شهدت العقود السابقة انتقال مقتنيات أثرية عديدة إلى مجموعات أجنبية، سواء عن طريق الهدايا أو الشراء أو غيرهما من المسارات.
وتواصل تطور القواعد المنظمة للحفائر وتصدير الآثار خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إلا أن انتقال القطع المصرية إلى الخارج استمر في ظل ترتيبات وتراخيص اختلفت باختلاف الفترات والظروف القانونية.
كيف انتقلت مكتشفات مصرية إلى المتاحف الأجنبية؟
شهدت ثمانينيات القرن التاسع عشر توسعا في نظام «القسمة»، الذي أتاح للبعثات الأجنبية الحصول على حصة من المكتشفات الأثرية وفق ترتيبات مع مصلحة الآثار المصرية.
وتوثق جامعة أكسفورد، عبر مشروع «آثار الحفائر»، دور عالم الآثار البريطاني فلندرز بتري في التوصل إلى ترتيبات مع جاستون ماسبيرو، المسؤول عن مصلحة الآثار، أتاحت توزيع أجزاء من مكتشفات بعض البعثات على مؤسسات أجنبية.
وكانت المقتنيات تعرض أولا على المتحف المصري لاختيار القطع التي يحتاج إليها، قبل السماح بتوزيع جزء من المتبقي وفقا للقواعد المعمول بها آنذاك، ما أسهم في انتقال قطع أثرية إلى متاحف في بريطانيا ودول أخرى.
وجرت هذه الممارسات في سياق سياسي شهد الاحتلال البريطاني لمصر منذ عام 1882، ما يجعل دراسة تاريخ انتقال المقتنيات تتطلب التمييز بين وجود سند قانوني للتصدير وفق القواعد السارية في وقتها، وبين النقاش التاريخي المتعلق بتوازن القوى والظروف السياسية التي أحاطت بوضع تلك القواعد.
واصلت مصر تطوير تشريعات حماية الآثار خلال القرن العشرين، فصدر القانون رقم 14 لسنة 1912، ثم القانون رقم 215 لسنة 1951، وصولا إلى القانون رقم 117 لسنة 1983 بشأن حماية الآثار، الذي أنهى نظام تقسيم المكتشفات الأثرية بين مصر والبعثات الأجنبية.
وتوضح هذه المراحل أن المومياوات المصرية الموجودة حاليا في المتاحف الأوروبية انتقلت خلال فترات قانونية مختلفة، ما يجعل دراسة تاريخ كل مومياء ووثائق اقتنائها أمرا ضروريا لفهم ظروف خروجها من مصر وتقييم وضعها القانوني.
وتشمل مسارات انتقال المقتنيات الشراء والإهداء والحفائر الأثرية، إلى جانب حالات قد تكون محل مراجعة بشأن مدى توافقها مع القوانين السارية وقت خروجها، ولذلك، فإن تحديد ظروف كل حالة على حدة يمثل خطوة أساسية في أي نقاش بشأن استرداد المومياوات المصرية.
ومع إعادة فتح ملف الرفات البشرية في المتاحف البريطانية، يتجاوز النقاش مسألة عرض المومياوات أو إخفائها عن الجمهور، ليشمل تاريخ اقتنائها، وأخلاقيات التعامل مع الأجساد المحنطة، ومدى توافر الوثائق التي تسمح بتحديد ظروف انتقالها من مصر إلى المجموعات الأوروبية.


