رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

متاهة مصر المفقودة.. ماذا تخفي الرمال تحت هرم هوارة بالفيوم؟

هرم هوارة
هرم هوارة

في قلب محافظة الفيوم، وعلى مقربة من هرم هوارة، تختبئ حكاية أثرية استثنائية عن واحد من أكثر الصروح المعمارية إثارة للجدل في مصر القديمة؛ إنه المعبد الجنائزي للملك أمنمحات الثالث، الذي ارتبط اسمه بما عرفه المؤرخون اليونانيون باسم «المتاهة المصرية»، وهي منشأة ضخمة أثارت الدهشة بسبب تصميمها المعقد وحجمها الاستثنائي.

ورغم أن معظم معالم هذا الصرح لم تعد ظاهرة اليوم، فإن ما أورده المؤرخ اليوناني هيرودوت، إلى جانب الدراسات الأثرية والجيوفيزيائية الحديثة، أبقى التساؤلات قائمة حول طبيعة المبنى وتخطيطه وما قد يكون متبقيًا من أساساته تحت سطح الأرض.

وتعيد هذه الحكاية تسليط الضوء على أحد المواقع الأثرية المهمة في الفيوم، حيث تتقاطع الروايات التاريخية مع الأدلة العلمية في محاولة لفهم معلم معماري لم يصل إلينا بشكله الأصلي.

أمنمحات الثالث.. صاحب المعبد الغامض

May be an image of the Great Sphinx of Giza

يرتبط المعبد الجنائزي في هوارة بالملك أمنمحات الثالث، أحد أبرز ملوك الأسرة الثانية عشرة في عصر الدولة الوسطى، والذي شهدت مصر خلال عهده نشاطًا عمرانيًا واسعًا، خاصة في منطقة الفيوم.

ويقع المعبد ضمن المجمع الجنائزي المرتبط بهرم هوارة، الذي شُيد ليكون مقرًا لدفن الملك، بينما ارتبط المعبد بالممارسات الدينية والجنائزية التي أحاطت بالملكية المصرية القديمة.

وتشير الدراسات الأثرية إلى أن ما تبقى من المعبد محدود مقارنة بالوصف الذي وصلنا من المصادر القديمة. وقد أسهمت أعمال التنقيب والتغيرات التي شهدتها المنطقة على مدار قرون في تشكيل الصورة الحالية للموقع، الأمر الذي يجعل إعادة تصور تخطيطه الأصلي مهمة تعتمد على الجمع بين البقايا المادية والشهادات التاريخية ونتائج المسح العلمي.

هيرودوت يصف متاهة تفوق الوصف

تعود شهرة المتاهة المصرية بدرجة كبيرة إلى وصف هيرودوت، الذي زار مصر في القرن الخامس قبل الميلاد، وذكر مجمعًا معماريًا يضم 12 فناءً مسقوفًا، إلى جانب ثلاثة آلاف حجرة، موزعة بحسب روايته بين طابق علوي وآخر سفلي.

وأوضح هيرودوت أنه شاهد الحجرات العلوية بنفسه، بينما لم يتمكن من دخول الحجرات السفلية، التي قال إن المسؤولين عنها ربطوا بينها وبين مقابر الملوك ودفن التماسيح المقدسة.

ويعكس هذا الوصف حجم الانبهار الذي أثاره المبنى لدى زواره القدماء، كما يمنح الباحثين تصورًا عن تعقيد تخطيطه وتعدد مساحاته. لكن الأرقام والتفاصيل الواردة في الروايات القديمة تظل بحاجة إلى التعامل معها باعتبارها شهادات تاريخية ينبغي مقارنتها بالأدلة الأثرية، لا باعتبارها جميعًا حقائق أثبتتها الحفائر الحديثة.

وقد ارتبط اسم «اللابرنت» بالمتاهة المصرية في الكتابات اليونانية، في إشارة إلى ضخامة المنشأة وتعقيد مساراتها وتعدد حجراتها وأفنيتها.

أين اختفت المتاهة المصرية؟

No photo description available.

على الرغم من الشهرة التي اكتسبها المعبد في العصور القديمة، لم يبقَ منه سوى آثار محدودة، وهو ما يثير تساؤلات حول مصير كتل البناء والعناصر المعمارية التي كانت تشكل هذا المجمع الضخم.

وتشير الدراسات التاريخية والأثرية إلى أن الموقع تعرض لتدخلات وتغيرات متعاقبة، شملت أعمال تنقيب وإزالة أجزاء من المنشآت، إلى جانب تأثيرات الأنشطة البشرية وتغيرات البيئة المحيطة.

وكان عالم الآثار البريطاني فلندرز بتري من أبرز من عملوا في هوارة خلال القرن التاسع عشر، إذ أجرى حفائر بالموقع عام 1888، وأسهمت أعماله في توثيق جوانب من المنطقة الأثرية والكشف عن مكتشفات مهمة.

كما كشفت دراسات أثرية لاحقة عن شواهد ونقوش ومنحوتات مرتبطة بالمجمع، رغم محدودية البقايا المعمارية الظاهرة اليوم. ويعني ذلك أن اختفاء معظم البناء فوق سطح الأرض لا ينهي بالضرورة إمكانية دراسة الموقع، إذ قد تظل بقايا أثرية مدفونة قادرة على تقديم معلومات جديدة.

هل توجد بقايا للمتاهة تحت الأرض؟

أعادت تقنيات المسح الجيوفيزيائي الاهتمام بالموقع، إذ أتاحت للباحثين دراسة ما تحت سطح الأرض دون الاعتماد على الحفر وحده.

وفي عام 2008، أُجريت دراسات جيوفيزيائية بمنطقة هوارة، كما تناول بحث علمي نُشر لاحقًا نتائج استخدام طريقة المسح الكهرومغناطيسي منخفض التردد لدراسة منطقة المعبد الجنائزي.

وأظهرت النتائج وجود عدد كبير من الشذوذات الجيوفيزيائية الممتدة والمربعة في طبقات تحت سطح الأرض، اتصل بعضها ببعض في بعض المواضع وانفصل في مواضع أخرى. ورأى الباحثون أن التوزيع المكاني لهذه المؤشرات يتوافق بدرجة ملحوظة مع بعض ملامح الوصف التاريخي الذي أورده هيرودوت.

وتكتسب هذه النتائج أهميتها من أنها تقدم مؤشرات علمية تستحق الدراسة بشأن وجود تراكيب مدفونة في المنطقة، لكنها لا تعني وحدها أن جميع حجرات المتاهة التي وصفها المؤرخ القديم قد جرى تحديدها أو إثباتها بصورة نهائية.

فالمسح الجيوفيزيائي يرصد اختلافات في خصائص التربة والمواد الموجودة تحت السطح، ويحتاج تفسير هذه المؤشرات إلى ربطها بالأدلة الأثرية والتحقق منها بوسائل بحثية مناسبة.

وبذلك، فإن الحديث عن المتاهة المدفونة لا يزال مرتبطًا بما تكشفه الدراسات من مؤشرات، وليس بإعلان اكتشاف كامل ومؤكد لكل تفاصيل المنشأة القديمة.

الفيوم.. موقع أثري يحمل أسئلة مفتوحة

تمنح منطقة هوارة الباحثين فرصة مهمة لدراسة العلاقة بين العمارة الجنائزية والبيئة المحيطة بها خلال عصر الدولة الوسطى، كما تساعد في فهم طبيعة المجمعات الملكية التي جمعت بين الهرم والمعبد والمنشآت المرتبطة بالطقوس الدينية.

وتتجاوز أهمية الموقع حدود الرواية المثيرة عن المتاهة، لتشمل دراسة التخطيط المعماري وأساليب البناء، وتاريخ المنطقة الأثرية، وما يمكن أن تكشفه البقايا المدفونة عن الممارسات الدينية والجنائزية في مصر القديمة.

كما يبرز الموقع أهمية الجمع بين العمل الأثري التقليدي والتقنيات الحديثة، التي تساعد على تحديد المناطق التي تستحق مزيدًا من الدراسة، وتقديم تصورات أكثر دقة عن المنشآت التي تعرضت للتدمير أو الاختفاء عبر الزمن.

لغز لم يُحسم بعد

تظل المتاهة المصرية في هوارة واحدة من الحكايات التي تجمع بين عظمة العمارة القديمة وحدود المعرفة الأثرية المتاحة. فبينما يقدم وصف هيرودوت تصورًا عن مبنى بالغ الضخامة، تشير الدراسات الحديثة إلى وجود مؤشرات جيوفيزيائية تستحق مزيدًا من الفحص في المنطقة.

لكن الإجابة النهائية عن حجم المنشأة الأصلي، وتفاصيل تخطيطها، ومدى بقاء أجزائها تحت الأرض، تظل مرتبطة بما تثبته الدراسات والحفائر الأثرية المتخصصة.

وهكذا، لا تكمن أهمية متاهة هوارة في الغموض المحيط بها فحسب، بل في قدرتها على إظهار كيف يمكن للمصادر التاريخية والتقنيات العلمية أن تتكامل في إعادة قراءة الماضي، وكيف تظل المواقع الأثرية المصرية تحمل أسئلة مفتوحة قد تكشف الأبحاث المستقبلية عن جوانب جديدة منها.

تم نسخ الرابط