رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

سر مدفون منذ ألف عام.. إشارة من تحت الأرض تكشف كنزا ضخما

الكشف الأثري
الكشف الأثري

في واقعة أعادت فتح صفحات غامضة من تاريخ التجارة في شمال أوروبا، قادت إشارة واحدة من جهاز كشف المعادن إلى اكتشاف كنز فضي ضخم ظل مدفونا تحت الأرض لنحو ألف عام، بعدما عثر باحث في جنوب فنلندا على آلاف العملات الفضية التي يرجح أن يعود تاريخها إلى الفترة بين عامي 1000 و1050 ميلادية.

وجاء الاكتشاف في 3 سبتمبر 2026 بالقرب من بلدة سييسمى جنوب فنلندا، عندما كان كالي لابينن يستخدم جهاز كشف المعادن في المنطقة، قبل أن تلتقط الآلة إشارات متتالية دفعته إلى الحفر، ليكتشف واحدة من أكبر مجموعات العملات الفضية التي عثر عليها في تاريخ فنلندا الحديث.

العثور على آلاف العملات الفضية

وبمجرد اكتشاف القطع، أبلغ لابينن السلطات بالعثور، فيما بدأ علماء الآثار من متاحف لاهتي أعمال استعادة الآثار في اليوم التالي.

وكشفت عمليات التنقيب عن آلاف العملات الفضية، إلى جانب قطع من الفضة الخام وسوار فضي وقطعة تثبيت وخرزة، بينما بلغ الوزن الإجمالي للعملات التي جرى استخراجها حتى الآن نحو 4.5 كيلوجرام.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن هذه المجموعة تعود إلى فترة تتراوح بين عامي 1000 و1050 ميلادية، وهو ما يجعلها مصدرا مهما لدراسة حركة التجارة والثروة في المنطقة قبل نحو ألف عام.

كنز مزدوج مدفون على بعد 12 مترا

المفاجأة لم تكن مرتبطة بحجم الكنز فقط، إذ اكتشف الباحثون أن الفضة لم تكن مخبأة في مكان واحد، وإنما وضعت في إيداعين منفصلين يفصل بينهما نحو 12 مترا.

وكانت القطع محفوظة داخل حاويتين مصنوعتين من لحاء شجر البتولا، قبل أن تدفن على عمق يقارب 45 سنتيمترا بين الصخور.

ووصفت خبيرة العملات في المتحف الوطني الفنلندي الاكتشاف بأنه نوع نادر من "الكنز المزدوج"، مشيرة إلى عدم وجود عدد كبير من الأمثلة المعروفة لهذا النوع من الاكتشافات في المنطقة.

عملات من أوروبا والشرق الأوسط

ويكشف تنوع العملات عن اتساع نطاق العلاقات التجارية التي كانت تربط المنطقة قبل نحو ألف عام بأجزاء مختلفة من العالم.

وتضم المجموعة عملات مرتبطة بمناطق تقع حاليا في السويد وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب دراهم تعود إلى مناطق تقع حاليا في تركيا وإيران.

ويمنح هذا التنوع الباحثين فرصة لدراسة حركة الفضة وشبكات التجارة التي امتدت لمسافات بعيدة، فضلا عن فهم طبيعة العلاقات الاقتصادية التي ربطت المنطقة بمراكز تجارية مختلفة في أوروبا والشرق الأوسط.

أكثر من 4000 عملة.. وتحطيم الرقم القياسي السابق

يتجاوز اكتشاف سييسمى بفارق كبير الرقم القياسي السابق لأكبر كنز من العملات المكتشف في فنلندا.

وكان الرقم القياسي السابق يعود إلى كنز عثر عليه في مدينة نوُسياينن عام 1895، وضم نحو 1700 عملة.

أما التقديرات الأولية للاكتشاف الجديد فتشير إلى أنه يضم أكثر من 4000 عملة، أي ما يزيد على ضعف الرقم القياسي السابق.

ومع ذلك، لم يحسم العدد النهائي للعملات حتى الآن، حيث لا تزال القطع تخضع لعمليات التنظيف والفصل والفحص، ومن المنتظر أن تكشف الدراسات اللاحقة العدد الدقيق للعملات وتاريخ كل قطعة ومصدرها.

من دفن الكنز ولماذا؟

ورغم ضخامة الاكتشاف، يبقى السؤال الأكثر غموضا دون إجابة: من دفن هذه الثروة الفضية، وما السبب وراء إخفائها؟

ويؤكد علماء الآثار أن هوية صاحب الكنز ضاعت مع مرور القرون، ولا توجد حتى الآن أدلة حاسمة تكشف الدافع وراء دفنه.

ومن بين الاحتمالات المطروحة أن يكون تاجرا أخفى جزءا من ثروته لحمايتها وكان يعتزم العودة إليها في وقت لاحق، أو أن يكون أحد الأثرياء المحليين قد دفن ممتلكاته خوفا من صراع أو هجوم.

لكن الباحثين يشددون على أن هذه التفسيرات تظل مجرد احتمالات، ولا توجد أدلة كافية في الوقت الحالي لترجيح سيناريو محدد.

سييسمى كانت مركزا تجاريا مهما

وتزداد أهمية الاكتشاف مع المؤشرات التي تظهر أن منطقة سييسمى لم تكن منطقة هامشية قبل ألف عام، رغم الصورة المختلفة التي قد تبدو عليها اليوم.

وقال عالم الآثار إيسكو تيكالا إن المواد الأثرية المكتشفة في المنطقة تشير إلى أنها كانت مركزا مهما خلال العصر الحديدي المتأخر، مع وجود صلات تجارية امتدت في اتجاهات متعددة.

وبالتالي، فإن العملات الجديدة لا تمثل مجرد ثروة دفنت تحت الأرض، وإنما قد تكون جزءا من صورة أكبر لشبكات التجارة وحركة المعادن والأموال التي كانت تمر عبر المنطقة في تلك الحقبة.

أجهزة كشف المعادن تقود إلى آثار جديدة

كما يسلط الاكتشاف الضوء على الدور المتزايد لهواة استخدام أجهزة كشف المعادن في الوصول إلى آثار قد لا تصل إليها عمليات التنقيب التقليدية.

وبحسب بيانات المتحف الوطني الفنلندي، ارتفع عدد العملات المرتبطة بعصر الفايكنج والمعروفة في فنلندا من نحو 7000 عملة قبل 25 عاما إلى قرابة 14 ألف عملة حاليا، وكان لهواة البحث باستخدام أجهزة الكشف دور كبير في هذه الزيادة، وفقا لما نقلته فوكس نيوز.

ويقول لابينن إنه سبق أن بحث في المنطقة نفسها، لكنه لم يعثر من قبل على اكتشاف مماثل، قبل أن تقوده الإشارات المتتالية هذه المرة إلى مجموعة هائلة من الفضة ظلت مخفية تحت الأرض لنحو ألف عام.

دراسات جديدة لكشف أسرار الكنز

ولا تزال أعمال تنظيف العملات وفحصها مستمرة، وسط آمال بأن تكشف الدراسات المقبلة المزيد عن مصدر هذه الثروة الفضية، وتاريخ دفنها، والظروف التي دفعت صاحبها إلى إخفائها.

كما يأمل الباحثون في أن تساعد دراسة العملات المختلفة في إعادة رسم خريطة شبكات التجارة التي كانت قائمة قبل نحو ألف عام، وفهم كيف وصلت كميات كبيرة من الفضة القادمة من مناطق متباعدة في أوروبا والشرق الأوسط إلى منطقة سييسمى في جنوب فنلندا.

تم نسخ الرابط