رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من الكتبخانة الخديوية إلى الرقمنة.. 156 عامًا من حفظ ذاكرة مصر

Go Egypia

 ظلت دار الكتب والوثائق القومية واحدة من أبرز المؤسسات التي حملت على عاتقها مهمة جمع وحفظ وصيانة ذاكرة مصر المكتوبة على مدار 156 عامًا، منذ انطلاق نواتها الأولى باسم «الكتبخانة الخديوية» عام 1870، وصولًا إلى عصر الرقمنة وإتاحة ملايين المواد والمصادر للباحثين والدارسين.

وتحتفي الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية بهذه المسيرة الطويلة التي بدأت بفكرة إنشاء مكتبة وطنية تجمع شتات الكتب والمخطوطات، وتحولت مع مرور الزمن إلى مؤسسة متكاملة لحفظ التراث الوثائقي والمكتوب، تجمع بين المقتنيات التاريخية النادرة وأحدث تقنيات الحفظ والرقمنة والإتاحة الإلكترونية.

البداية.. فكرة لإنقاذ ذاكرة مصر

ترجع قصة دار الكتب إلى عهد الخديوي إسماعيل، عندما ظهرت الحاجة إلى إنشاء «كتبخانة عمومية» تجمع الكتب المتفرقة في المساجد وخزائن الأوقاف وغيرها، وتحافظ عليها من التلف والضياع.

وكان علي مبارك قد اقترح إنشاء دار للكتب على غرار المكتبة الوطنية في باريس، بعد مشاركته في البعثة التي أُرسلت إلى فرنسا عام 1844، ليصدر الخديوي إسماعيل الأمر العالي رقم 66 بتأسيس الكتبخانة في 23 مارس 1870.

واختيرت سراي مصطفى فاضل باشا بدرب الجماميز مقرًا للكتبخانة الجديدة، وبدأت نواة مقتنياتها بنحو 30 ألف مجلد، شملت كتبًا ومخطوطات نفيسة جُمعت من المساجد والأضرحة والتكايا، إلى جانب مجموعات من مكتبات نظارتي الأشغال والمدارس.

«الكتبخانة الخديوية».. أول اسم في رحلة طويلة

لم تحتفظ المؤسسة باسمها الأول طوال تاريخها، فقد تغير اسمها رسميًا عدة مرات مع تغير الأنظمة السياسية والإدارية في مصر.

فبدأت عام 1870 باسم «الكتبخانة الخديوية»، ثم أصبحت «دار الكتب الخديوية»، وبعدها «دار الكتب السلطانية»، ثم «دار الكتب الملكية»، وصولًا إلى «دار الكتب المصرية»، ثم «دار الكتب والوثائق القومية»، وأخيرًا الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية منذ عام 1993.

لكن رغم تغير الأسماء، ظلت المهمة الأساسية واحدة: جمع المعرفة وحفظها وتنظيمها وإتاحتها أمام الباحثين والقراء.

من درب الجماميز إلى باب الخلق

مع تزايد أعداد الكتب والمخطوطات، بدأت الكتبخانة تواجه تحديات تتعلق بضيق المكان واحتياجات الحفظ، فانتقلت داخل سراي مصطفى فاضل باشا قبل أن تتجه الأنظار إلى إنشاء مقر أكثر ملاءمة.

وفي عهد الخديوي عباس حلمي الثاني بدأ العمل على إنشاء مبنى لدار الكتب في منطقة باب الخلق، وافتتحت الكتبخانة أبوابها للجمهور في 5 مارس 1904، لتصبح المنطقة واحدة من العلامات المهمة في تاريخ الثقافة والمعرفة في القاهرة.

ويضم مبنى دار الكتب بباب الخلق اليوم مجموعات نادرة من المخطوطات العربية والفارسية والعثمانية، إلى جانب مقتنيات تراثية تشمل المصاحف والخرائط والوثائق ونوادر الخط العربي، فضلًا عن خدمات الاطلاع والترميم والميكروفيلم والإتاحة الإلكترونية.

من خزائن المخطوطات إلى حماية التراث

لم تعد مهمة دار الكتب تقتصر على حفظ الكتب والمخطوطات داخل خزائنها، إذ تطورت منظومة العمل لتشمل الترميم والفهرسة والتصوير والحفظ الوقائي، إلى جانب استخدام التكنولوجيا الحديثة لتأمين المقتنيات وإتاحتها.

وتعمل الهيئة على تطوير أساليب حفظ المخطوطات والوثائق، بما يضمن تقليل مخاطر التلف والحفاظ على المقتنيات للأجيال المقبلة، بالتوازي مع تطبيق أنظمة حديثة لتتبع حركة المقتنيات وتأمينها.

وفي هذا السياق، شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ مشروعات لتطوير البنية الرقمية للدار، وربط عمليات الحفظ التقليدية بالتقنيات الحديثة.

الرقمنة.. ذاكرة مصر تنتقل إلى العالم الرقمي

أصبحت الرقمنة واحدة من أهم أدوات دار الكتب في حماية التراث، خاصة أن تحويل الكتب والمخطوطات والوثائق إلى نسخ رقمية يوفر وسيلة إضافية للحفاظ على المحتوى، ويتيح الوصول إليه دون الحاجة إلى تداول الأصول النادرة بشكل متكرر.

وخلال السنوات الأخيرة، أعلنت الهيئة عن تنفيذ مشروعات واسعة للمسح الضوئي والرقمنة، شملت الكتب والمخطوطات والخرائط والصور والمواد الصوتية.

وفي عام 2025، أعلنت دار الكتب الانتهاء من إعداد استوديو متخصص لرقمنة المخطوطات بالتعاون مع جمعية المكنز الإسلامي، ضمن مشروع يستهدف رقمنة مجموعة «المصاحف المملوكية» النادرة، وهي مجموعة مدرجة ضمن برنامج «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو.

كما شهدت الهيئة توسعًا في إتاحة مصادر المعلومات رقميًا، وتطوير البنية الإلكترونية بما يساعد الباحثين على الوصول إلى المحتوى بصورة أكثر سهولة.

أكثر من 7 ملايين لقطة رقمية

وتكشف مشروعات التطوير الحديثة عن انتقال دار الكتب إلى مرحلة أكثر اتساعًا في مجال الرقمنة، إذ أعلنت الهيئة عن رقمنة ملايين اللقطات من أوعية المعلومات المختلفة، إلى جانب تطوير معامل المسح الرقمي وتوفير أجهزة حديثة.

وفي إطار جهود حماية التراث السمعي أيضًا، جرى العمل على فهرسة ورقمنة الأسطوانات الصوتية النادرة وتحويل محتواها من النظام التناظري إلى الرقمي، بما يحافظ على تسجيلات تمثل جانبًا مهمًا من الذاكرة الثقافية المصرية.

وتأتي هذه المشروعات ضمن توجه أوسع لتطوير الخدمات المقدمة للباحثين، وتحويل المحتوى التراثي من مقتنيات محفوظة داخل المخازن إلى مصادر معرفية يمكن الوصول إليها والاستفادة منها عبر الوسائل الرقمية.

الإيداع الإلكتروني.. التكنولوجيا في خدمة صناعة النشر

لم تتوقف عملية التحول الرقمي عند المخطوطات والوثائق القديمة، بل امتدت إلى الخدمات المقدمة للناشرين والمؤلفين.

وأطلقت دار الكتب خدمة «الإيداع الإلكتروني» في إطار تطوير الخدمات وتيسير حصول الناشرين والمؤلفين على أرقام الإيداع، بما يواكب التحول الرقمي ويساعد على تنظيم وتوثيق الإنتاج الفكري.

كما عادت «نشرة الإيداع» أو الببليوغرافيا الوطنية إلى الصدور إلكترونيًا، لتخدم الباحثين وتدعم أعمال الفهرسة والتوثيق وحماية حقوق الملكية الفكرية.

حماية المقتنيات.. من الحافظة إلى الباركود

إلى جانب الرقمنة، تعمل دار الكتب على تطوير منظومة الحماية المادية للمقتنيات، خاصة المخطوطات التي تحتاج إلى ظروف حفظ دقيقة.

وشملت مشروعات التطوير استخدام أنظمة الباركود لتتبع حركة المخطوطات، إلى جانب تصنيع حافظات خاصة خالية من الأحماض لحماية الأوراق والمخطوطات من عوامل التلف.

كما جرى تطوير أنظمة الحماية والإطفاء والإنذار في بعض المواقع، في محاولة للجمع بين الحماية المادية للمقتنيات والحماية الرقمية لمحتواها.

مكتبات جديدة ومتنقلة.. المعرفة خارج الجدران

امتد مفهوم حفظ وإتاحة المعرفة إلى تطوير شبكة المكتبات التابعة للهيئة، من خلال افتتاح منافذ جديدة في المناطق التي تحتاج إلى خدمات ثقافية، إلى جانب إعادة تشغيل بعض المكتبات التي توقفت لفترات.

كما أطلقت الهيئة مكتبات متنقلة تصل إلى المحافظات والمناطق النائية، بما يوسع نطاق الاستفادة من الخدمات الثقافية ويجعل الكتاب والمعلومة أقرب إلى شرائح مختلفة من الجمهور.

وتنسجم هذه الخطوة مع مفهوم «العدالة الثقافية»، الذي يستهدف إتاحة المعرفة والثقافة أمام مختلف فئات المجتمع، وعدم قصر الخدمات الثقافية على المؤسسات والمراكز الموجودة في المدن الكبرى.

156 عامًا.. المهمة مستمرة

من «الكتبخانة الخديوية» التي بدأت بنحو 30 ألف مجلد، إلى مؤسسة تمتلك منظومة متطورة للحفظ والترميم والرقمنة والإتاحة، قطعت دار الكتب والوثائق القومية رحلة طويلة ارتبطت بتاريخ مصر الثقافي والمعرفي.

وتكشف هذه المسيرة أن الحفاظ على التراث لا يعني فقط إبقاء المخطوطات والكتب داخل خزائن آمنة، وإنما يتطلب أيضًا توثيقها وفهرستها وترميمها وتحويلها إلى محتوى رقمي يظل متاحًا للأجيال القادمة.

وبعد 156 عامًا من التأسيس، تستمر دار الكتب في أداء دورها بوصفها إحدى المؤسسات الرئيسية التي تحفظ جانبًا أساسيًا من ذاكرة مصر المكتوبة، بينما تفتح الرقمنة طريقًا جديدًا أمام هذا التراث للانتقال من خزائن الكتب إلى فضاء المعرفة المفتوح.

تم نسخ الرابط