صورة أثرية مفقودة تعيد فتح لغز ميريت نيث.. هل حكمت مصر قبل حتشبسوت بقرون؟
بعد أكثر من 5 آلاف عام على رحيلها، تعود ميريت نيث إلى دائرة الضوء من جديد، لكن هذه المرة من خلال صورة أثرية باهتة كادت تفاصيلها أن تضيع إلى الأبد.
فقد أعاد فريق من الباحثين فحص صورة قديمة لنقش ملكي باستخدام تقنيات التصوير والمعالجة الرقمية الحديثة، ليكشف عن علامات قد تعيد فتح واحدة من أقدم القضايا المثيرة للجدل في تاريخ مصر القديمة: هل كانت ميريت نيث مجرد وصية على العرش، أم أنها حكمت مصر فعلا بصفتها ملكة صاحبة سلطة رسمية؟
القصة تعود إلى عقود مضت، عندما عثر علماء الآثار في منطقة سقارة على مجموعة من السدادات الطينية التي كانت تستخدم لإغلاق جرار الفخار.
وبين 13 سدادة جرى العثور عليها، حملت واحدة منها نقشا ملكيا مثيرا للاهتمام، لكن القطعة الأصلية لم تبق، كما اختفى لاحقا اللوح الزجاجي الذي التقطت عليه صورتها.
وبقيت صورة واحدة فقط شاهدة على ذلك النقش، لتتحول بعد مرور عقود إلى مفتاح محتمل لإعادة قراءة دور امرأة قد تكون شغلت موقعا استثنائيا في بدايات الدولة المصرية القديمة.
أربعة رموز ملكية تفتح باب الجدل
يحمل النقش المصور أربعة رموز ملكية تعرف باسم "السرخ"، وهو إطار كان يستخدم في مصر القديمة لكتابة اسم الملك، وارتبط بصورة مباشرة بالهوية الملكية ومؤسسة الحكم.
وكان عالم المصريات البريطاني والتر ب. إيمري قد اقترح في وقت سابق أن الرمزين الأول والرابع من النقش يحملان اسم الملك جت، بينما يشير الرمزان الموجودان في المنتصف إلى اسم ميريت نيث.
وتكمن أهمية هذه القراءة في أن ظهور اسم ميريت نيث داخل السرخ نفسه قد يعني أنها لم تكن مجرد شخصية ملكية ذات نفوذ أو وصية على عرش طفل، بل ربما حملت صفة ملكية رسمية مشابهة لتلك التي ارتبطت بالحكام الذكور في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ مصر.
لكن هذا التفسير لم يحسم الجدل، إذ ظلت الصورة القديمة شديدة الصعوبة من حيث القراءة، خصوصا أن العلامات الموجودة في الجزء الأوسط من النقش كانت باهتة وغير واضحة بما يكفي لتقديم دليل قاطع.
التكنولوجيا تعيد قراءة نقش كاد يختفي
ومع تطور تقنيات التصوير الرقمي، قرر الباحثون إعادة النظر في الصورة بدلا من اعتبارها مجرد سجل أثري قديم محدود القيمة.
وبالتعاون مع متخصص في المعالجة الرقمية بجامعة ماكواري في سيدني، خضعت الصورة لعدد من المعالجات التي هدفت إلى عزل العلامات الهيروغليفية وإبراز الفروق الدقيقة بين أجزاء النقش.
وشملت العملية عكس ألوان الصورة وتحسين التباين وتحويل التفاصيل المرئية إلى رسم رقمي أكثر وضوحا، الأمر الذي أتاح للباحثين فحص عناصر كانت شبه مستحيلة الرؤية في النسخة الأصلية.
وبحسب أصحاب الدراسة، أظهرت المعالجة الرقمية تفاصيل أوضح في السرخين الثاني والثالث، ورأى الباحثون أن العلامات التي ظهرت تتوافق مع العلامة الأساسية المستخدمة في كتابة اسم ميريت نيث.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، لأن وجود اسمها في هذا الموضع من النقش قد يقدم دليلا إضافيا على ارتباطها بالرموز الملكية التي كانت تستخدم للحكام في تلك الفترة.
هل كانت ميريت نيث حاكمة لمصر؟
يرى الباحثون أن القراءة الجديدة للنقش تدعم فرضية أن ميريت نيث لم تكن مجرد شخصية ملكية بارزة، وإنما ربما تولت الحكم بصفة ملكية رسمية في مرحلة مبكرة للغاية من تاريخ الدولة المصرية.
ومع ذلك، فإن النتيجة لا تعني أن الجدل العلمي انتهى، فدور ميريت نيث السياسي لا يزال موضع نقاش بين علماء المصريات، كما أن طبيعة السلطة التي مارستها، والفترة التي تولت خلالها إدارة شؤون البلاد، ما زالت بحاجة إلى مزيد من الأدلة الأثرية.
وتكمن أهمية القضية في أن ميريت نيث ظهرت في سياق تاريخي يسبق الملكات المصريات الأكثر شهرة بقرون طويلة، مثل حتشبسوت، ما يجعل أي دليل جديد على توليها سلطة ملكية ذا أهمية خاصة بالنسبة إلى فهم تطور مؤسسة الحكم في مصر القديمة.
أدلة أخرى تعزز أهمية ميريت نيث
ولا يستند الباحثون في إعادة تقييم مكانة ميريت نيث إلى هذه الصورة وحدها، إذ توجد مجموعة من الأدلة الأثرية المرتبطة بها، من بينها مجمعها الجنائزي، وعدد من النقوش والأختام التي تربط اسمها بأدوار إدارية وسياسية مهمة.
كما ظهرت إشارات مرتبطة بها في سياق الآثار التي عثر عليها في مقبرة الملك اللاحق سمر خت، ما يضيف إلى الصورة العامة لشخصية يبدو أن نفوذها تجاوز الدور التقليدي المتوقع من امرأة ملكية في ذلك العصر.
وبحسب الباحثين، تشير مجموعة الأدلة المتاحة إلى أن مسيرة ميريت نيث السياسية ربما امتدت لنحو ثلاثة عقود على الأقل، وشهدت توليها أدوارا متعددة داخل مؤسسة الحكم.
وتطرح إحدى الفرضيات أنها بدأت مسيرتها السياسية في إطار شراكة في الوصاية على العرش خلال فترة حكم الملك جت، قبل أن تتولى لاحقا دور الوصية على العرش وأم الملك.
كما تربط بعض النصوص اسمها بإدارة الخزانة الملكية والإشراف على عدد من المسؤولين، وهي أدوار تكشف، إذا صحت قراءتها، عن مستوى لافت من النفوذ داخل الجهاز الإداري للدولة المصرية الناشئة.
امرأة في قلب السلطة قبل حتشبسوت بقرون
تفتح قصة ميريت نيث نافذة مختلفة على بدايات الحكم الملكي في مصر، وتدفع الباحثين إلى إعادة النظر في طبيعة الأدوار التي كانت النساء قادرات على شغلها داخل النظام السياسي في تلك الفترة.
فإذا أثبتت الدراسات اللاحقة صحة قراءة النقش، فقد يصبح لدينا دليل إضافي على أن امرأة ارتبط اسمها بالرموز الملكية الرسمية في وقت مبكر جدا من التاريخ المصري، قبل ظهور الملكات الحاكمات المعروفات في العصور اللاحقة بقرون طويلة.
لكن أهمية ميريت نيث لا تتوقف عند سؤال ما إذا كانت ملكة حاكمة أم لا. فمجموعة الأدلة المرتبطة بها تشير إلى أن النساء في بدايات الدولة المصرية ربما كن أكثر حضورا داخل دوائر السلطة والإدارة مما تعكسه الصورة التقليدية الشائعة عن المجتمع المصري القديم.
صورة باهتة تعيد فتح سؤال عمره خمسة آلاف عام
المفارقة اللافتة في قصة ميريت نيث أن الدليل الذي يعيد إشعال هذا النقاش لم يعد موجودا في صورته الأصلية، فالقطعة الأثرية اختفت، وكذلك اللوح الزجاجي الذي حفظ صورتها، ولم يبق سوى صورة قديمة تحمل آثارا باهتة لنقش كان يمكن أن يضيع مع مرور الزمن.
لكن التكنولوجيا الحديثة منحت الباحثين فرصة لإعادة النظر في تلك التفاصيل، وتحويل صورة أرشيفية محدودة الوضوح إلى مادة يمكن تحليلها بطريقة لم تكن متاحة للباحثين قبل عقود.
وهكذا، بعد أكثر من خمسة آلاف عام، لا تزال ميريت نيث تطرح السؤال نفسه أمام علماء المصريات: هل كانت واحدة من أوائل النساء اللواتي امتلكن سلطة ملكية رسمية في مصر القديمة؟
وربما لا تكون الإجابة النهائية قد حسمت بعد، لكن إعادة قراءة ذلك النقش القديم تكشف شيئا واحدا بوضوح: أن تاريخ الأسرة الأولى لا يزال يخفي الكثير من الأسرار، وأن قطعة أثرية مفقودة وصورة باهتة محفوظة في الأرشيف قد تكونان كافيتين لإعادة فتح أحد أقدم الأسئلة حول من حكم مصر في فجر تاريخها الملكي.


