رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لماذا كتب المصريون القدماء رسائل إلى الموتى؟.. حكايات تكشف أسرار العالم الآخر

المصريون القدماء
المصريون القدماء

لم يكن الموت في مصر القديمة يعني دائما نهاية الحديث مع الأحباء، فبين جدران المقابر وبالقرب من أماكن تقديم القرابين، ترك المصريون القدماء رسائل استثنائية وجهوها إلى أقاربهم الذين رحلوا عن الحياة، تحدثوا فيها عن المرض والميراث والخلافات العائلية، وطلبوا المساعدة والتدخل، بل وصل الأمر في بعض الحالات إلى عتاب الموتى وتحميلهم مسؤولية متاعب أصابت الأحياء.

وتكشف هذه الرسائل النادرة جانبا مختلفا تماما من حياة المصريين القدماء، بعيدا عن أخبار الملوك والحروب والنقوش الرسمية، إذ تنقل أصوات أشخاص عاديين وهم يتعاملون مع مشكلات يومية، ويبحثون عن حلول لها من خلال مخاطبة أقاربهم في العالم الآخر.

وبحسب مشروع Digital Egypt for Universities التابع لجامعة كوليدج لندن، وصل إلينا نحو 15 رسالة من هذا النوع، ترجع إلى فترات تمتد من أواخر الدولة القديمة حتى أواخر الدولة الحديثة، بينما تعود معظم الأمثلة المعروفة إلى أواخر الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول.

وعثر على عدد من هذه الرسائل داخل المقابر أو بالقرب منها، في إشارة إلى ارتباطها المباشر بممارسات تذكر الموتى والتواصل معهم.

لماذا كان المصريون يكتبون إلى الموتى؟

لم تكن هذه النصوص مجرد رسائل عاطفية يكتبها شخص فقد أحد أفراد أسرته، وإنما ارتبط كثير منها بمشكلات حقيقية كان أصحابها يواجهونها في حياتهم اليومية.

فقد يلجأ شخص إلى والده أو والدته المتوفاة طلبا للمساعدة في نزاع على الممتلكات أو الميراث، بينما قد تطلب امرأة من زوجها الراحل التدخل لحماية أحد أفراد الأسرة.

وكان الاعتقاد السائد أن الموت لا ينهي قدرة المتوفى على التأثير في حياة الأحياء، وأنه يستطيع التدخل لصالح أسرته ومساندتها من العالم الآخر.

وفي بعض الحالات، يبدو أن صاحب الرسالة كان يعتقد أن المتوفى نفسه قد يكون وراء المشكلة التي يعانيها، ولذلك كان الخطاب يتحول من طلب المساعدة إلى العتاب أو حتى الشكوى.

رسائل كتبت على الأواني والكتان والبردي

استخدم المصريون القدماء أكثر من وسيلة لإرسال رسائلهم إلى الموتى، إذ ظهرت النصوص على الأواني الفخارية والكتان والبرديات وغيرها من المواد.

وكان من الشائع وضع الرسالة داخل المقبرة أو بالقرب من المكان الذي تقدم فيه القرابين للمتوفى، بما يسمح بربط الرسالة مباشرة بطقوس إحياء ذكرى الموتى.

وتتميز هذه النصوص بأنها لا تتحدث عن الأحداث الكبرى التي اعتادت النقوش الرسمية تسجيلها، وإنما تكشف تفاصيل شديدة الخصوصية عن حياة الأسر المصرية، مثل الخلافات حول الممتلكات والميراث، والمرض، والمشكلات الزوجية، والقلق على الأبناء.

إناء قاو.. رجل يستنجد بوالديه المتوفيين

ومن أبرز النماذج المعروفة ما يعرف باسم إناء قاو، المحفوظ في متحف بترى للآثار المصرية التابع لجامعة كوليدج لندن، ويحمل رسالتين كتبهما رجل يدعى "شبسي" إلى والديه المتوفيين.

ووجه شبسي رسالة إلى والده على الجزء الداخلي من الإناء، بينما كتب رسالة أقصر إلى والدته على الجزء الخارجي.

وطلب الرجل من والديه مساعدته في نزاع يتعلق بالممتلكات، كما ذكّر والده بما قدمه لأفراد أسرته وما فعله من أجلهم خلال حياته وبعد وفاته.

وتكشف الرسالة طبيعة العلاقة التي تصورها شبسي مع والديه بعد الموت، إذ لم يتعامل معهما باعتبارهما مجرد ذكرى من الماضي، وإنما باعتبارهما شخصين ما زالا قادرين على التدخل في شؤون أسرته ومساعدته في حل مشكلة يواجهها في عالم الأحياء.

أم تستعين بزوجها الراحل لحماية ابنتها

ومن النماذج اللافتة أيضا إناء محفوظ في متحف بترى، عثر عليه في "هو" بصعيد مصر، ويحمل رسالة كتبتها امرأة إلى زوجها المتوفى.

وتطلب المرأة من زوجها التدخل من أجل ابنتهما، بعدما تعرضت، وفقا لما يفهم من مضمون الرسالة، لأذى أو ظلم.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة لأنها تمنح الباحثين فرصة نادرة للاستماع إلى صوت امرأة من مصر القديمة، في وقت تمثل فيه هذه النصوص من أقدم الأمثلة الباقية التي تنقل رسائل مباشرة كتبتها نساء.

كما تعكس الرسالة تصورا للعلاقة بين الأحياء والموتى يقوم على نوع من الالتزام المتبادل؛ فالأحياء يواصلون تقديم القرابين والحفاظ على ذكرى أقاربهم، بينما ينتظرون من المتوفى أن يستخدم قدرته ومكانته في العالم الآخر لمساندتهم.

زوج يعاتب زوجته بعد وفاتها

ومن أكثر هذه الرسائل تأثيرا من الناحية الإنسانية بردية تعود إلى العصر الرعامسي، تعرف باسم Papyrus Leiden I 371، وفيها يوجه رجل رسالة إلى زوجته المتوفاة.

ويستعيد الزوج في رسالته تفاصيل العلاقة التي جمعتهما خلال حياتهما، ويذكرها بطريقة معاملته لها وما قدمه من أجلها، في سياق يحمل مشاعر العتاب والشكوى.

ويبدو أن الرجل كان يعتقد أن زوجته أصبحت مرتبطة بطريقة ما بالمتاعب التي يمر بها بعد وفاتها، ولذلك لجأ إلى مخاطبتها مباشرة واستدعاء ذكريات حياتهما المشتركة.

وتقدم هذه البردية صورة مختلفة تماما عن النصوص الجنائزية الرسمية، فبدلا من الصيغ الدينية التقليدية، نجد رجلا يتحدث عن حياته الزوجية، ويستحضر ذكريات الحب والمعاملة المشتركة، وكأنه يخوض حوارا مع شخص ما زال حاضرا في حياته رغم رحيله.

وتشير الرسائل الباقية إلى أن المرض والنزاعات على الممتلكات والميراث والمشكلات العائلية كانت من بين أبرز الأسباب التي دفعت المصريين القدماء إلى مخاطبة الموتى.

وكان صاحب الرسالة يأمل أن يتدخل قريبه المتوفى لصالحه، أو يدافع عنه، وربما يساعده في مواجهة مشكلة لم يتمكن من حلها في عالم الأحياء.

وتؤكد هذه النصوص قوة الإيمان بالحياة بعد الموت في مصر القديمة، لكنها في الوقت نفسه تكشف جانبا إنسانيا شديد العمق من هذا الاعتقاد.

فبالنسبة إلى أصحاب هذه الرسائل، لم يكن الموت يعني بالضرورة انتهاء العلاقة بين أفراد الأسرة، وإنما انتقالها إلى صورة أخرى تستمر فيها مشاعر الحب والاحتياج والقلق والرجاء، بل وحتى العتاب والخلاف.

لماذا وصل إلينا عدد قليل من هذه الرسائل؟

ورغم أن عدد الرسائل التي وصلت إلى العصر الحديث محدود، فإن ظهورها عبر فترات زمنية مختلفة ومناطق متعددة من مصر يشير إلى أن ممارسة التواصل مع الموتى ربما كانت أوسع بكثير مما يمكن أن توحي به القطع الأثرية الباقية.

ومن المحتمل أن كثيرا من أشكال التواصل مع الموتى كانت تتم شفهيا، أو باستخدام مواد لم تصمد أمام عوامل الزمن، ولذلك لم تترك أثرا يمكن للباحثين العثور عليه اليوم.

لكن الرسائل القليلة التي بقيت تمنح الباحثين نافذة نادرة على الحياة الخاصة للمصريين القدماء، وتكشف أن خلف المعابد والمقابر والنقوش الملكية كانت هناك أسر تعاني من المرض والخلافات والميراث، وأشخاص يبحثون عن الحماية والمساعدة من أحبائهم حتى بعد الموت.

وهكذا، تتحول هذه الرسائل الصغيرة إلى وثائق إنسانية بالغة الأهمية، لأنها لا تحكي فقط عن معتقدات المصري القديم بشأن العالم الآخر، وإنما تكشف أيضا أنه، مثل الإنسان في كل العصور، كان يحمل مشكلاته ومخاوفه وذكرياته معه، ويبحث عن سند ممن أحبهم حتى بعد أن غابوا عن عالم الأحياء.

تم نسخ الرابط