في لقطة واحدة.. مئذنتان تختصران 433 عامًا من تاريخ العمارة الإسلامية
في قلب القاهرة، وعلى مسافة قصيرة للغاية، تقف مئذنتان تنتميان إلى عصرين مختلفين، وبين تاريخ إنشائهما نحو 433 عامًا؛ واحدة تحمل ملامح العمارة المملوكية، والأخرى تنتمي إلى العصر العثماني، لتتحول المسافة الصغيرة بينهما إلى مشهد معماري يلخص قرونًا من تطور فن بناء المآذن في القاهرة.
مئذنة من العصر المملوكي
أنشأ الأمير علاء الدين أقبغا عبد الواحد المدرسة في القرن الثامن الهجري، على أرض ارتبطت في السابق بدار للأمير عز الدين أيدمر الحلي، نائب السلطنة في عهد السلطان الظاهر بيبرس.
وتكتسب المئذنة أهمية خاصة في تاريخ العمارة الإسلامية بالقاهرة، إذ تمثل مرحلة مهمة من تطور بناء المآذن واستخدام الحجر في تشييدها، إلى جانب ما تحمله من تفاصيل وزخارف تعكس خصائص الفن المملوكي.
مئذنة عثمانية على بُعد خطوات
وعلى مقربة منها تظهر مئذنة أخرى تنتمي إلى العصر العثماني، شُيدت ضمن مجموعة معمارية أقيمت خلال الفترة 1187-1188هـ/1773-1774م.

وتتميز هذه المئذنة بتكوين معماري مختلف عن النموذج المملوكي، بما يعكس التحولات التي شهدتها عمارة القاهرة خلال القرون التالية، وتطور أشكال المآذن وأساليب تصميمها.
433 عامًا.. من المماليك إلى العثمانيين
المفارقة اللافتة أن العين تستطيع رؤية المئذنتين في مشهد واحد، رغم أن بين تاريخ إنشائهما أكثر من أربعة قرون.
فإحداهما تنتمي إلى القرن الرابع عشر الميلادي، بينما ظهرت الأخرى في القرن الثامن عشر، وخلال هذه الفترة الطويلة تغيرت أنماط العمارة وتطورت التفاصيل الهندسية والزخرفية.
وهنا تتحول المئذنتان إلى كتاب مفتوح في تاريخ العمارة الإسلامية؛ فبدلًا من قراءة التاريخ في الكتب فقط، يمكن رؤيته في الحجر، وشكل البدن، وطريقة التكوين، وتفاصيل القمة والزخارف.
القاهرة.. عصور متجاورة في مشهد واحد
تكشف هذه الصورة عن إحدى أهم سمات القاهرة التاريخية، وهي قدرتها على الاحتفاظ بطبقات عمرانية تنتمي إلى عصور متباعدة داخل مساحة جغرافية محدودة.
فالمئذنة ليست مجرد عنصر معماري يؤدي وظيفة دينية، وإنما سجل بصري يعكس العصر الذي ظهرت فيه، والذوق الفني السائد، والتقنيات التي استخدمها البناؤون.
ولهذا فإن مشاهدة المئذنتين المتجاورتين لا تعني رؤية مبنيين فقط، بل تعني الوقوف أمام أكثر من أربعة قرون من تاريخ العمارة الإسلامية في لقطة واحدة.





