رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مسجد أبو العباس المرسى.. حكاية 8 قرون من التاريخ والتصوف في قلب الإسكندرية

مسجد أبو العباس المرسي
مسجد أبو العباس المرسي

في قلب منطقة بحري بمحافظة الإسكندرية، يقف مسجد سيدي أبي العباس المرسى شاهدا على قرون من التاريخ والعلم والتصوف، وواحدا من أبرز المعالم الدينية والتراثية التي ارتبطت بذاكرة المدينة وأهلها وزائريها. 

وعلى مدار مئات السنين، ظل المسجد حاضرا في المشهد الروحي والمعماري للإسكندرية، مرتبطا بسيرة أبي العباس المرسى، أحد أشهر أعلام التصوف وأبرز أقطاب الطريقة الشاذلية، وتلميذ الشيخ أبي الحسن الشاذلي.

ولا ترتبط أهمية المسجد بموقعه أو طرازه المعماري فقط، وإنما تمتد إلى المكانة التي احتلها أبو العباس المرسى في تاريخ التصوف الإسلامي، ورحلته التي بدأت من الأندلس وانتهت بالإسكندرية، حيث أصبح أحد أبرز رموزها الدينية والروحية.

من مرسية الأندلس إلى الإسكندرية

لم يكن أبو العباس المرسى مصري المولد، إذ بدأت قصته في مدينة مرسية بالأندلس، حيث ولد عام 616 هـ الموافق 1219م، ونشأ في بيئة دينية ساعدته على طلب العلم والزهد والتصوف.

وهو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حسن بن علي الخزرجي الأنصاري المرسى، ويتصل نسبه بالصحابي سعد بن عبادة. ومع انتقاله إلى المشرق، بدأت مرحلة جديدة من حياته، كان من أبرز محطاتها لقاؤه بالشيخ أبي الحسن الشاذلي، مؤسس الطريقة الشاذلية وأحد أبرز أعلام التصوف.

وأصبح أبو العباس المرسى من أبرز تلاميذ الشاذلي، بعد أن صحبه ولازمه، وتأثر بمنهجه في الزهد والورع والإرشاد والتربية، حتى أصبح لاحقا واحدا من أبرز الأسماء المرتبطة بالطريقة الشاذلية.

أبو العباس المرسى.. شيخ للطريقة الشاذلية

ارتبط أبو العباس المرسى بمدينة الإسكندرية ارتباطا وثيقا، حتى أصبح واحدا من أبرز رموزها الدينية والروحية، وتولى مشيخة الطريقة الشاذلية عام 656 هـ، وهو في نحو الأربعين من عمره، مواصلا طريق شيخه في الإرشاد والتربية ونشر العلم وتهذيب النفوس.

ولم يقتصر تأثيره على أتباع الطريقة الشاذلية، إذ ارتبط بمجلسه عدد من أعلام عصره، من بينهم ابن عطاء الله السكندري والإمام البوصيري، ما عزز مكانته العلمية والروحية في الإسكندرية.

وظل أبو العباس المرسى يمارس دوره في التعليم والإرشاد حتى وفاته في الخامس والعشرين من ذي القعدة عام 686 هـ، الموافق 1287م تقريبا، بعدما أمضى في الإسكندرية نحو 43 عاما.

من موضع الدفن إلى مسجد تاريخي

بعد وفاة أبي العباس المرسى، تحول موضع دفنه تدريجيا إلى مسجد ومزار، وتوالت عليه أعمال التجديد والتوسعة على مدار القرون، ليحافظ المكان على حضوره الديني والتراثي حتى العصر الحديث.

ففي عهد السلطان الأشرف قايتباي، أعاد الأمير قجماس الإسحاقي الظاهري، والي الإسكندرية، بناء المسجد عام 882 هـ الموافق 1477م.

ثم شهد المسجد تجديدا جديدا عام 1005 هـ الموافق 1596م، على يد الشيخ أبي العباس النسفي الخزرجي.

وفي عام 1179 هـ الموافق 1775م، جدد الشيخ أبو الحسن علي بن علي المغربي المقصورة والقبة، كما عمل على توسعة المسجد.

ومع مرور الوقت، استمرت أعمال الاهتمام بالمسجد، ففي عام 1280 هـ الموافق 1863م، تولى أحمد بك الدخاخني، شيخ طائفة البنائين بالإسكندرية، ترميمه، كما أوقف عليه وقفا للإنفاق على احتياجاته.

ميدان المساجد وتحفة معمارية في الإسكندرية

مع دخول القرن العشرين، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المسجد، ففي عهد الملك فؤاد الأول جرى التخطيط لإنشاء ميدان المساجد، ليضم مسجد أبي العباس المرسى إلى جوار عدد من المساجد التاريخية، من بينها مسجد الإمام البوصيري ومسجد الشيخ ياقوت العرش.

ووضع المعماري الإيطالي ماريو روسي تصميم المسجد الجديد، واكتمل العمل فيه عام 1943، ليظهر المسجد في صورته المعمارية التي تجمع بين التأثيرات الإسلامية والأندلسية، وتمنحه طابعا مميزا جعله واحدا من أشهر معالم الإسكندرية.

ويضم المسجد ضريح أبي العباس المرسى وتلاميذه، كما يمثل مقصدا لمريدي الطرق الصوفية وزوار المدينة، إلى جانب قيمته الدينية والتاريخية والمعمارية.

تطوير ميدان أبي العباس بتكلفة 271 مليون جنيه

ولا تتوقف أهمية المنطقة عند المسجد وحده، إذ تشهد الساحة المحيطة به خطة لتطوير المنشآت السياحية والتراثية في محافظة الإسكندرية، بتكلفة تصل إلى 271 مليون جنيه، وذلك في إطار توجه الدولة للحفاظ على العناصر ذات القيمة التاريخية وتعزيز الاستفادة منها ضمن خطط التنمية الشاملة بالمحافظة.

ويشمل مشروع التطوير الساحة العلوية، وساحة المقامات، وحديقة ميدان المرسى أبي العباس، إلى جانب عدد من المساجد والمواقع المحيطة، ومنها مسجد البوصيري، ومسجد سيدي ياقوت العرش، ومسجد سيدي نصر الدين.

ترميم الجراج ومواجهة مشكلات المياه الجوفية

ويمتد التطوير أيضا إلى الجراج الأرضي، الذي شهد مشكلات إنشائية نتيجة تصدع السقف والحوائط بسبب تسرب المياه الجوفية وتهالك شبكة الصرف الصحي، وهو ما أدى إلى انهيار أرضية المحلات الموجودة بالمنطقة.

وبدأت خطة التطوير بإجراء الدراسات الشاملة للموقع، بهدف تحديد احتياجاته الإنشائية والخدمية ووضع التصورات المناسبة للتعامل مع المشكلات القائمة، مع التأكيد على الحفاظ على القيمة الدينية والتراثية والاجتماعية للميدان.

وطرح المكتب الاستشاري المكلف بالمشروع عددا من التصورات والرؤى الخاصة بتطوير المنطقة، قبل الوصول إلى رؤية موحدة تستهدف تحقيق التوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على طبيعة المكان.

وتستهدف الرؤية الجديدة إبراز المقومات الدينية والتراثية والاجتماعية لميدان أبي العباس المرسى، مع توفير بيئة أفضل للمواطنين والزائرين، والحفاظ على الطابع التاريخي الذي جعل المنطقة واحدة من أبرز الوجهات المرتبطة بذاكرة الإسكندرية.

وهكذا يظل مسجد أبي العباس المرسى أكثر من مجرد مبنى ديني تاريخي؛ فهو جزء من هوية الإسكندرية وذاكرتها، ومكان ارتبط بعالم من التصوف والعلم امتد لقرون، فيما تسعى أعمال التطوير الحالية إلى الحفاظ على هذا الإرث وإعادة تقديم المنطقة بما يتناسب مع قيمتها التاريخية ومكانتها لدى سكان المدينة وزائريها.

تم نسخ الرابط