وجه أبو الهول المرعب، ليس حارسا للأهرامات بل وحش إغريقي يهدد المارة بالألغاز
حين يردد اسم "أبو الهول"، يتبادر إلى الذهن فورا التمثال المصري الشهير في الجيزة الذي يحرس الأهرامات الثلاثة، إلا أن الشخصية التي تجسدها الأساطير اليونانية تختلف جذريا؛ إذ تظهر كمخلوق بجسد أسد، ورأس بشري، وأجنحة، ارتبط في الحكايات القديمة بمفاهيم المعرفة، والألغاز، والمصير.
أبو الهول في الأسطورة اليونانية
ظهر أبو الهول في العديد من الحضارات القديمة، وبرز بشكل خاص في الميثولوجيا اليونانية، حيث خلدته مسرحية "أوديب ملكا" للكاتب سوفوكليس، وفي هذه الرواية، كان أبو الهول أنثى تقطن خارج مدينة طيبة، وتعترض سبيل المسافرين طارحة عليهم لغزا غامضا لا يجوز لهم المرور دونه.
وكان اللغز الشهير الذي طرحته على أوديب هو: "ما الذي يمشي على أربع قوائم في الصباح، وعلى اثنتين في الظهيرة، وعلى ثلاث في المساء؟"، ونجح أوديب في الإجابة قائلا: "الإنسان"؛ فالطفل يحبو على أطرافه الأربعة، ثم يمشي مستقيما على قدمين في شبابه، ليستعين بعصا في الشيخوخة فتصبح ثلاثة أطراف، وبمجرد الإجابة الصحيحة، انقضى أمر أبو الهول وتمكن أوديب من دخول المدينة.
المرأة حارسة للمعرفة
لا تقتصر دلالة القصة على حل اللغز فحسب، بل يتجاوز أبو الهول تمثيل القوة الجسدية ليجسد "المعرفة" وسلطة صاحب السؤال، وقد دفع هذا الجانب بعض الباحثين المعاصرين لإعادة قراءة الشخصية، حيث تقدمها الأسطورة كامرأة تحتكر أسئلة يعجز الرجال عن حلها، وتتحكم في بقائهم على قيد الحياة.
وتشير الكاتبة والناقدة جيس زيمرمان، في كتابها (Women and Other Monsters)، إلى أن تصوير النساء بصورة "الوحوش" ظهر كثيرا في الأساطير، عاكسا مخاوف المجتمعات القديمة وتوقعاتها تجاه المرأة.
إجابة أوديب لم تكن النهاية
وفي قراءة حديثة ومختلفة، أعادت الشاعرة الأمريكية موريل روكيسر طرح المواجهة بين أوديب وأبو الهول في قصيدتها (Breaking Open) الصادرة عام 1973، تتخيل الشاعرة عودة أوديب بعد أن أضحى عجوزا ضريرا ليسأل أبو الهول عن سبب عدم إدراكه حقيقة زواجه من أمه.
فتأتي الإجابة الصادمة من أبو الهول بأن أوديب قدم "الإجابة الخاطئة"؛ فحين سألته عن الكائن الذي يمشي على أربع واثنين وثلاث واكتفى بالقول "الإنسان"، أخفت هذه الكلمة "المرأة" وتفاصيل هويتها.
وبذلك، تحولت الأسطورة من مجرد لغز بيولوجي عن مراحل عمر الإنسان إلى تساؤل أعمق حول من يملك حق تعريف الإنسان ومن يمتلك مفاتيح الحقيقة المطلقة.



