المتاحف تخرج إلى الجمهور..كيف غيّرت الأنشطة الصيفية مفهوم زيارة المتحف في مصر
لم تعد زيارة المتحف في مصر تقتصر على مشاهدة القطع الأثرية خلف واجهات العرض الزجاجية، بل أصبحت تجربة تعليمية وثقافية متكاملة تجمع بين المعرفة والترفيه والتفاعل المباشر مع التراث.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت وزارة السياحة والآثار إلى إعادة صياغة دور المتاحف، لتتحول من أماكن لحفظ المقتنيات التاريخية إلى مراكز نابضة بالحياة تستقطب الأطفال والشباب والأسر من خلال برامج وورش وأنشطة مبتكرة.
ويعكس النشاط الصيفي الذي أطلقه المجلس الأعلى للآثار في عدد من المتاحف هذا التوجه الجديد، إذ يهدف إلى تقريب التراث من الجمهور، وإتاحة الفرصة لمختلف الفئات العمرية لاكتشاف الحضارة المصرية بأساليب تفاعلية تعتمد على المشاركة والتجربة، وليس المشاهدة فقط.
المتحف.. مساحة للتعلم والإبداع
يشمل برنامج النشاط الصيفي مجموعة واسعة من الورش الفنية، والمحاضرات العلمية، والبرامج التدريبية، التي صُممت لتناسب الأطفال والشباب وطلاب الجامعات والجمهور العام.
ففي المتحف المصري بالتحرير، لا يكتفي الزائر بالتجول بين القاعات، بل يشارك في ورش عملية مثل "أنامل مبدعة" للتعرف على فنون النسيج في مصر القديمة، و"زينة الأجداد" لاستلهام تصميمات الحلي الفرعونية وصنع نماذج مستوحاة منها، في تجربة تجمع بين التعلم والإبداع.
كما تنظم سلسلة من الندوات التي تربط بين الحضارة المصرية القديمة وقضايا المجتمع المعاصر، بما يعزز فهم التراث باعتباره مصدرًا للإلهام وليس مجرد صفحات من الماضي.
المتحف للجميع
أحد أبرز ملامح النشاط الصيفي هذا العام هو التركيز على دمج جميع فئات المجتمع في الأنشطة الثقافية.
فقد أطلق المتحف المصري بالتحرير مبادرة "منارة"، التي أتاحت للصم وضعاف السمع جولات إرشادية مترجمة بالكامل إلى لغة الإشارة، بالتعاون مع مؤسسات متخصصة، في خطوة تعكس توجهًا نحو جعل المتاحف أكثر إتاحة وشمولًا.
ويؤكد هذا التوجه أن الثقافة حق للجميع، وأن المتحف يمكن أن يكون مساحة مفتوحة للتواصل مع مختلف الفئات دون حواجز.
إعداد جيل جديد من سفراء التراث
وفي متحف قصر الأمير محمد علي بالمنيل، لا يقتصر النشاط على الزوار، بل يمتد إلى إعداد كوادر شبابية متخصصة من خلال برنامج "رواد الحضارة"، الذي يستهدف طلاب وخريجي الجامعات في مجالات الآثار والإرشاد السياحي والمتاحف.
ويتضمن البرنامج محاضرات علمية، وزيارات ميدانية، وتدريبًا عمليًا يقدمه نخبة من الخبراء، بهدف تأهيل المشاركين ليكونوا قادرين على نشر الوعي بالتراث والتعريف بالحضارة المصرية بأساليب حديثة.
كما يقدم المتحف برنامج "حكاية متحف"، الذي يعرّف الطلاب بتاريخ المتحف وأساليب العمل المتحفي الحديثة، ليمنحهم تجربة عملية تتجاوز الدراسة الأكاديمية.
عندما يخرج المتحف إلى الشارع
ربما كانت أبرز صور التفاعل هذا الصيف هي خروج المتحف إلى الجمهور، كما حدث في كرنفال "إيمحتب وحكاية حجر رشيد"، الذي نظمه متحف إيمحتب بشارع الفن في وسط القاهرة.
وشهد الكرنفال إقبالًا واسعًا، حيث شارك الزوار في ورش لتعليم الكتابة بالخط الهيروغليفي، والرسم الزخرفي، وصناعة الزجاج والفيانس، إلى جانب عروض للفنون الشعبية والموسيقى، في تجربة نقلت التراث من قاعات العرض إلى قلب الشارع.
وتعكس هذه الفعاليات توجهًا جديدًا يقوم على الوصول إلى الجمهور في أماكن وجوده، وإشراكه في التعرف على الحضارة المصرية بطريقة تفاعلية وممتعة.
رؤية جديدة لدور المتاحف
تسعى وزارة السياحة والآثار من خلال هذه البرامج إلى ترسيخ مفهوم المتحف كمؤسسة تعليمية وثقافية ومجتمعية، تسهم في تنمية الوعي بالتراث، واكتشاف المواهب، وتعزيز الإبداع، إلى جانب دورها الأساسي في حفظ وصون الآثار.
ومع تنوع الأنشطة واتساع الفئات المستهدفة، باتت المتاحف المصرية تقدم نموذجًا جديدًا يجمع بين التعليم والترفيه، ويحول زيارة المتحف إلى تجربة حية تثري المعرفة، وتعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخها وهويتها، في إطار رؤية تستهدف جعل التراث جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع، وليس مجرد ماضٍ يُشاهد خلف واجهات العرض.

