رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لغز تاريخي.. لماذا أحب المصريون البطالمة رغم أصولهم الأجنبية؟

العصر البطلمي
العصر البطلمي

تعد الأسرة البطلمية واحدة من أكثر الأسر الأجنبية التي نجحت في الاندماج داخل المجتمع المصري القديم، حتى إن كثيرا من المصريين اعتبروا حكامها امتدادا للمصريين القدماء، رغم أن مؤسس الأسرة بطليموس الأول كان من أصول مقدونية وجاء إلى مصر ضمن جيوش الإسكندر الأكبر.

ورغم اختلاف المؤرخين حول طبيعة العلاقة بين المصريين والبطالمة، فإن الثابت أن هذه الأسرة استطاعت أن تكسب قبول قطاع واسع من الشعب المصري، وأن تترك بصمة واضحة في الحياة الدينية والثقافية والسياسية للبلاد على مدى نحو ثلاثة قرون.

مصر وطن البطالمة الوحيد وخلفاء الفراعنة الشرعيين

حكم البطالمة بمبدأ أن مصر هي وطنهم وبلدهم الوحيد، فبعد انهيار إمبراطورية الإسكندر الأكبر، لم يتخذوا لأنفسهم عاصمة أخرى خارج حدودها، بل جعلوا من مصر مركز دولتهم، وسعوا منذ البداية إلى تقديم أنفسهم باعتبارهم خلفاء الفراعنة الشرعيين.

ومع مرور الوقت، امتزج الحكام البطالمة ذوو الأصول الإغريقية بالعادات والتقاليد المصرية، فظهروا على جدران المعابد بالهيئة الفرعونية، وارتدوا الملابس المصرية، وشاركوا في الطقوس والشعائر الدينية، الأمر الذي عزز ارتباطهم بالمجتمع المحلي، كما ساعد هذا الاندماج على حدوث زيجات واختلاط بين العناصر اليونانية والمصرية، وهو ما جعل المصريين ينظرون إليهم باعتبارهم جزءا من نسيج البلاد، لا مجرد حكام أجانب.

مقارنة بالحكم الفارسي.. من الاضطهاد إلى التحرير

وبحسب كتاب “بداءة عصر البطالمة” للمؤرخ إسماعيل مظهر، فإن مصر قبل مجيء البطالمة كانت تعاني من الحكم الفارسي، الذي اتسم بعلاقة متوترة للغاية مع المصريين، إذ انتهج الفرس سياسة عدائية تجاه الثقافة والعقائد المصرية، وتعرضت بعض المعابد للتدنيس، كما أبطلت شعائر دينية عديدة.

ولهذا السبب، استقبل المصريون دخول الإسكندر الأكبر باعتباره نوعا من التحرير من السيطرة الفارسية القاسية، خاصة بعدما أبدى البطالمة احتراما واضحا للمعبودات المصرية القديمة، وسعوا إلى التقرب من الشعب من خلال الدين والثقافة.

زاهي حواس: البطالمة أصبحوا مصريين ولم نصبح بطالمة

ويرى عالم الآثار الدكتور زاهي حواس، في مقاله “البطالمة أصبحوا مصريين.. لكننا لم نصبح بطالمة”، أن حكام الأسرة البطلمية لم يكتفوا بحكم مصر، بل سعوا بقوة إلى تبني هويتها الحضارية الكاملة، فقد ارتدى البطالمة الملابس المصرية، وعبدوا الآلهة المصرية، وحرصوا على تعلم اللغة المصرية القديمة، التي ظلت لغة رسمية للمكاتبات الحكومية إلى جانب اللغة اليونانية. 

وكانت المراسيم الملكية تكتب أولا بالخطوط الهيروغليفية والديموطيقية، ثم تسجل باللغة اليونانية، في دلالة واضحة على استمرار حضور الثقافة المصرية داخل مؤسسات الدولة السيادية.

الدين مفتاح القبول الشعبي والشرعية السياسية

أدرك البطالمة منذ البداية الأهمية الكبرى للدين لدى المصريين، فعملوا على دعم المؤسسات الدينية، وأقاموا الأعياد والاحتفالات المرتبطة بالمعتقدات المصرية، كما اهتموا ببناء المعابد وتجديد المقاصير القديمة التي تعرضت للتلف والتهديم.

وحريص الحكام البطالمة على نقش أسمائهم داخل الخرطوش الملكي مثل الفراعنة القدماء، وتصوير أنفسهم على جدران المعابد وفق التقاليد المصرية، في محاولة ذكية لتأكيد شرعيتهم السياسية والدينية، كما سعوا إلى التقريب بين معابيد اليونان ومعابيد المصريين، وهو ما أدى إلى قبول المصريين لبعض المعبودات اليونانية ضمن منظومتهم الدينية، وخلق حالة فريدة من التعايش الثقافي بين الحضارتين.

سر النجاح.. لماذا أحبهم المصريون؟

يرى عدد من المؤرخين أن سر نجاح البطالمة في كسب قلوب المصريين لم يكن بسبب أصولهم أو قوتهم العسكرية، بل نتيجة احترامهم الصادق للعقائد المحلية وحرصهم على الاندماج الكامل داخل المجتمع.

فبينما تعاملت بعض القوى الأجنبية الأخرى مع مصر باعتبارها إقليما تابعا ومجردا من السيادة، نظر البطالمة إليها باعتبارها وطنهم الحقيقي والوحيد، وهو ما جعل المصريين يرون في ملوكهم امتدادا طبيعيا للفراعنة العظام، ويمنحونهم مكانة خاصة واستثنائية في تاريخ البلاد.

تم نسخ الرابط