مصحف من 14 مجلدا.. ماذا تحتوي مجموعة المخطوطات العربية في مانشستر؟
في قلب المجموعات التراثية النادرة حول العالم، تقف الوثائق القديمة كشاهد عيان على تطور الفكر الإنساني وحركة التدوين عبر العصور، المخطوطات والبرديات ليست مجرد نصوص جافة، بل هي نوافذ تاريخية دافئة تطلعنا على أدوات الكتابة، واللغات المندثرة، والتفاعل الثقافي والديني الذي شكل ملامح الحضارات القديمة.
ومن بين هذه الحواضن المعرفية العالمية، نتوقف اليوم مع مخطوطة من المخطوطات النادرة الموجودة في مكتبة جامعة مانشستر البريطانية، والتي تضم مجموعة هائلة من المخطوطات العربية والقبطية ضمن مجموعاتها التاريخية.
ومن مجموعة البرديات تحديدا، ننتقي قطعة فريدة تتكون من 6 أسطر من نص ديني قبطي، مكتوب بحبر بني داكن على طول الألياف الأفقية لقطعة البردي.
تاريخ الإنشاء وطبيعة التدوين
تعود هذه المخطوطة النادرة إلى الحقبة الواقعة ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين. وقد جرى إنشاؤها بواسطة الكتابة اليدوية بالحبر البني الداكن، كما يتضح من شكل الشظية الحالية التي تعطي الباحثين والمؤرخين صورة حية ودقيقة عن طبيعة الكتابة، والخطوط، والأساليب المتبعة في تلك المرحلة الانتقالية من تاريخ مصر والشرق الأوسط.
تتميز المجموعة القبطية بتنوع وسائطها، حيث تضم نصوصا مدونة على ورق البردي، والرق، والورق العادي، وفخار الشظايا (الأشجاف)، وتحتوي المجموعة على 47 شظية اقتنتها إنريكيتا رايلاندز (زوجة جون رايلاندز مؤسس المكتبة) عام 1901 من اللورد كروفورد.
وتعد هذه الشظايا جزءا من 478 قطعة مكتوبة على ورق البردي والورق والرق، والتي وصفها العالم "كروم" في كتابه الشهير "المخطوطات القبطية في مجموعة مكتبة جون رايلاندز بمانشستر".
أما على صعيد المخطوطات العربية، فإن معهد ومكتبة جون رايلاندز للأبحاث يضم ما يقارب 900 مخطوطة تغطي حوالي 1000 عام من التاريخ، وتتنوع محتوياتها بين ما يلي:
- المخطوطات القرآنية: نسخ رقمية كاملة من القرآن الكريم، ولا سيما مصحف ثلاثي اللغات فريد مؤلف من 14 مجلدا.
- الأدب والعلوم: مخطوطات تضم أشعارا، وحكايات عن الحيوانات، ونصوصا في الخط العربي، والعلوم، والأخلاق، والجغرافيا، وعلم الكون، والطب.
- المؤلفات الدينية الممتدة: أعمال دينية إسلامية متنوعة، إلى جانب مؤلفات ونصوص دينية مسيحية عربية.
- النوادر الفكرية: نص فريد واستثنائي يروي مناظرة تخيلية طريفة بين شارب قهوة ومدخن.
رحلة وصول المجموعات إلى المكتبة لجامعية
يعود الفضل الأكبر في تجميع هذا الإرث الاستثنائي إلى إنريكيتا رايلاندز، التي نجحت عام 1901 في شراء مجموعة "إيرلز أوف كروفورد" الشهيرة باسم "مكتبة ليندسيانا"، والتي كانت غنية جدا بالمجلدات الإسلامية والنصوص الشرقية.
ولم يتوقف نمو المكتبة عند هذا الحد، بل حصلت مكتبة رايلاندز على مخطوطات أخرى هامة عن طريق الهبة والشراء المباشر، وتوجت هذه الجهود باندماجها الرسمي مع مكتبة جامعة مانشستر عام 1972.
وشملت هذه المقتنيات اللاحقة وثائق ومخطوطات تاريخية كانت ملكا لشخصيات علمية بارزة، من بينهم العالم السوري والعربي ألفونس مينجانا (1878-1937)، ومكتبة تشيثام، والدكتور موسى جاستر، لتصبح الجامعة اليوم واحدة من أهم وجهات البحث الأكاديمي في التراث الشرقي عالميا.

