رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

أسرار تحت أقدام القاهرة، كشف جديد يروي حكاية مياه القلعة

كشف أثري جديد
كشف أثري جديد

لطالما ظلت كيفية وصول المياه من نهر النيل إلى أعلى نقطة محصنة داخل قلعة صلاح الدين الأيوبي سؤالاً مفتوحاً أمام الباحثين، إذ اكتفت المصادر التاريخية بالإشارة إلى وجود منظومة لنقل المياه دون أن تقدم وصفاً كاملاً لآليات تشغيلها. 

وجاء الكشف الأثري الأخير للبعثة المصرية الفرنسية المشتركة التابعة لـ المجلس الأعلى للآثار والمعهد الفرنسي للآثار الشرقية ليقدم أدلة مادية جديدة تسهم في استكمال الصورة الهندسية لمنظومة سور مجرى العيون، وتوضح الدور المحوري لمنطقتي عرب اليسار والحطابة في هذه الشبكة المعقدة.

المنظومة الهيدروليكية في عرب اليسار.. عبقرية هندسية مملوكية

يمثل الموقع المكتشف في عرب اليسار محطة الرفع الأخيرة التي كانت تزود القلعة بالمياه، ويكشف التخطيط المعماري للموقع عن مجمع مائي متكامل يعتمد على مستويات متتابعة لرفع المياه.

وأسفرت الحفائر عن الكشف عن بئرين كبيرين شُيدا باستخدام كتل حجرية ضخمة، يبلغ عمق أحدهما عشرة أمتار، بينما يصل عمق الآخر إلى ثمانية أمتار، ويرجح أنهما كانا يستخدمان لتجميع المياه القادمة من سور مجرى العيون قبل إعادة ضخها إلى مستويات أعلى.

كما عُثر على بقايا نظام يضم أربع سواقٍ ومجاري حجرية، كانت تعمل بصورة متتابعة لرفع المياه تدريجياً إلى داخل القلعة، في نموذج يعكس فهماً متقدماً لميكانيكا المياه في العصر المملوكي.

ولم تقتصر الاكتشافات على العناصر المائية فقط، بل شملت أيضاً مسارات حركة الدواب المستخدمة في تشغيل السواقي، وغرف إيوائها، ومخازن الأعلاف، وأحواض السقاية، بما يشير إلى وجود منظومة تشغيلية متكاملة صُممت لضمان استمرار تدفق المياه بصورة دائمة.

وتكمن أهمية هذا الكشف في أن المصادر التاريخية المعروفة لم تقدم وصفاً دقيقاً لهذه المرحلة من منظومة الإمداد المائي، ما يجعل النتائج الحالية أول توثيق أثري مباشر لآلية تشغيل شبكة رفع المياه المرتبطة بالقلعة. وتشير الدلائل الأولية إلى ارتباط هذه المنشآت بمشروعات السلطان الناصر محمد بن قلاوون، خاصة مع اكتشاف قناة جديدة تتجه غرباً نحو منطقة الإسطبلات السلطانية.

على الجانب الآخر، كشفت الحفائر في منطقة الحطابة عن معطيات جديدة تؤكد أن محيط القلعة لم يكن منطقة عسكرية مغلقة، بل احتضن أنشطة دينية واجتماعية امتدت لقرون.

الحطابة.. إعادة قراءة المشهد العمراني والاجتماعي

ومن أبرز المكتشفات بقايا مسجد مملوكي يضم إيوان القبلة والمحراب وأجزاء من الرواق الجنوبي الغربي، إضافة إلى أرضيات حجرية ما زالت تحتفظ ببعض ملامحها الأصلية.

كما عُثر على غرفة دفن ملحقة بالمسجد وعدد من المقابر التي تنتمي إلى فترات إسلامية متعاقبة، من بينها مقبرة يرجح أنها تعود إلى العصر الإسلامي المبكر، وهو ما يسهم في إعادة رسم خريطة الاستيطان البشري بمحيط القلعة قبل اكتمال بناء السور الأيوبي.

التوثيق الرقمي وتدريب الكوادر الأثرية

اعتمدت البعثة على تقنيات التوثيق الرقمي الحديثة، حيث تم إعداد نماذج ثلاثية الأبعاد للمنشآت المكتشفة، ومن بينها الخانقاة النظامية، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات متخصصة تربط نتائج الحفائر بالمعلومات التاريخية والمعمارية الخاصة بالقلعة.

وشهد الموقع أيضاً تنفيذ برنامج تدريبي لمفتشي الآثار الإسلامية بالمجلس الأعلى للآثار، بهدف تأهيلهم على استخدام تقنيات التصوير والتسجيل الرقمي وتوثيق المكتشفات وفق المعايير الدولية.

اللقى الأثرية وشواهد الحياة اليومية

أسفرت أعمال التنقيب عن مجموعة من اللقى الأثرية المتنوعة، شملت قواديس فخارية كانت تستخدم في رفع المياه بواسطة السواقي، إضافة إلى عملات معدنية تعود إلى العصرين المملوكي والعثماني، وحلي وأختام معدنية وبقايا أسلحة ترجع إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ما يعكس استمرار النشاط البشري والعسكري في المنطقة عبر فترات زمنية مختلفة.

ويمنح هذا الكشف بعداً جديداً لدراسة القاهرة التاريخية، إذ يحول المناطق المحيطة بقلعة صلاح الدين من مجرد نطاق دفاعي إلى نموذج متكامل للبنية التحتية المائية والعمرانية في العصور الإسلامية، ويعزز من فرص دمجها مستقبلاً ضمن مسارات الزيارة السياحية، بما يتيح للزائر التعرف على النظم الهندسية التي أسهمت في إدارة واحدة من أهم العواصم الإسلامية لقرون طويلة.

تم نسخ الرابط