الكاتب والكاهن المرتل "كاعبر"..خلوداً ينافس الحجر بعبقرية شيخ البلد
كشف المتحف المصري بالتحرير عن هوية صاحب النظرة الأكثر واقعية في تاريخ الفن المصري القديم، إنه "كاعبر"، صاحب التمثال الخشبي الفريد الذي يزين الدور الأرضي بالمتحف المصري بالقاهرة.
تعود هذه التحفة الفنية إلى عصر الدولة القديمة (الأسرة الخامسة)، وتحديداً منذ أكثر من 4500 عام، حيث عُثر عليها في مصطبته بسقارة عام 1860.
وقد نال هذا التمثال شهرة عالمية واسعة تحت مسمى "شيخ البلد"، وهو لقب أطلقه عمال الحفائر التابعون لـ "أوغست مارييت" فور اكتشافه، نظراً للتشابه المذهل بين ملامح التمثال وملامح عمدة (شيخ) قريتهم في ذلك الوقت، ليبقى هذا الاسم الشعبي ملازماً للقطعة في جميع المحافل الدولية حتى يومنا هذا.
تتجلى عبقرية الفنان المصري في هذا التمثال من خلال قدرته الفائقة على تطويع خشب "الجميز" لإنتاج عمل ينبض بالحياة، متحدياً ندرة الأخشاب الجيدة وصعوبة الحفاظ عليها مقارنة بالأحجار. تظهر الواقعية المفرطة في تصوير "كاعبر" بهيئة رجل ممتلئ الجسم، وهي سمة فنية لم تكن عشوائية، بل كانت تعبيراً رمزياً عن الرفاهية، والثراء، والمكانة الاجتماعية المرموقة التي كان يتمتع بها كبار الموظفين في ذلك العصر.
يقف "كاعبر" في وضعية المشي، مقدماً قدمه اليسرى للأمام، بينما كان يمسك في يده اليمنى جسماً أسطوانياً وفي اليسرى عصا القيادة، مما يمنح التمثال طاقة وحيوية توحي بأنه على وشك التحرك من مكانه.
أما السر الحقيقي الذي يمنح هذا التمثال روحاً لا تنطفئ، فهو تقنية تطعيم العيون المذهلة؛ فقد صُنعت العيون بحرفية، باستخدام حجر الكالسيت الأبيض والبلور الصخري الصافي للحدقة، مع وضع نقطة سوداء من الحجر لتمثيل إنسان العين.



والأكثر إبداعاً هو تحديد العين بإطار من النحاس المصبوب، والذي صُمم ليحاكي الكحل المصري القديم، مما يضفي بريقاً ونظرة ثاقبة تأسر كل من يقف أمامه، وكأن "كاعبر" لا يزال يراقب زوار المتحف بوعيه وحكمته القديمة.
إن تمثال "كاعبر" ليس مجرد قطعة أثرية، بل هو وثيقة فنية تخبرنا كيف استطاع المصري القديم أن يتجاوز حدود المادة ويمنح الخشب خلوداً ينافس الحجر.




