تماثيل إخناتون في المتحف المصري بالتحرير.. فن تمرّد على ألفي عام من القواعد
تُعد تماثيل الملك إخناتون المعروضة في المتحف المصري بالتحرير من أكثر القطع التي تثير الجدل والدهشة في آن واحد، لأنها تمثل قطيعة فنية وفكرية مع كل ما سبقها في تاريخ الفن المصري القديم، فعلى مدار قرون طويلة، التزم الفنانون بقواعد صارمة في تصوير الملوك، تقوم على المثالية والتوازن والثبات، لكن إخناتون قرر كسر هذه القواعد دفعة واحدة.
تظهر التماثيل بملامح غير تقليدية؛ وجه طويل، شفتان بارزتان، بطن ممتدة، وجسد يبتعد عن الصيغة البطولية المعهودة، هذا التحول لم يكن عجزًا فنيًا أو خطأً في التمثيل، بل كان انعكاسًا مباشرًا للثورة الدينية والفكرية التي قادها إخناتون، حين دعا إلى عبادة إله واحد، وأراد لفنه أن يعكس «الحقيقة» لا المثال.
الفن في عصر العمارنة لم يعد أداة تمجيد للملك فقط، بل أصبح وسيلة تعبير عن فكرة جديدة للعلاقة بين الإنسان والإله، ولذلك ظهرت الجرأة في تصوير الجسد والملامح، واختفت الصرامة التي ميزت عصور الدولة القديمة والوسطى، حتى المشاهد العائلية التي تظهر الملك مع زوجته وبناته حملت طابعًا إنسانيًا غير مسبوق.
داخل المتحف المصري بالتحرير، تمثل هذه التماثيل شاهدًا على أخطر تجربة تغيير فكري في تاريخ مصر القديمة. فبعد وفاة إخناتون، تراجع خلفاؤه عن معظم أفكاره، وحاولوا محو آثاره، لكن الفن الذي تركه ظل شاهدًا لا يمكن إنكاره.
اليوم، تقف تماثيل إخناتون داخل المتحف لا بوصفها أعمالًا فنية غريبة فحسب، بل كوثائق صلبة عن لحظة تمرّد نادرة، حاولت إعادة تعريف الإيمان والفن والسلطة في آن واحد، ثم انتهت، تاركة خلفها سؤالًا مفتوحًا عن حدود التغيير في حضارة عريقة.





