رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مقابر كوم الشقافة.. عندما التقت الحضارة المصرية بالفن الروماني في أعماق الإسكندرية

مقابر كوم الشقافة
مقابر كوم الشقافة

في قلب منطقة كرموز غرب الإسكندرية، وتحت سطح الأرض، تختبئ واحدة من أكثر المقابر الأثرية تميزًا في مصر، وهي مقابر كوم الشقافة، التي تقدم نموذجًا فريدًا لامتزاج الفن المصري القديم بالتقاليد اليونانية والرومانية، في مشهد يعكس الطبيعة الثقافية المتعددة التي تميزت بها مدينة الإسكندرية خلال العصر الروماني.

ولا تكمن أهمية هذه المقابر في كونها جبانة أثرية قديمة فحسب، بل في تفاصيلها المعمارية والزخرفية التي تكشف كيف استطاع فنانو الإسكندرية الجمع بين رموز ومعتقدات حضارات مختلفة داخل مكان واحد خُصص لرحلة الإنسان إلى العالم الآخر.

لماذا سُميت مقابر كوم الشقافة بهذا الاسم؟

Inside catacombs of Kom El Shoqafa.

يرتبط اسم المنطقة بطبيعة المكان؛ إذ عُرفت باسم «كوم الشقافة» بسبب كثرة الشقف الفخارية وقطع الفخار المتراكمة بها.

وتعود المقابر إلى القرن الثاني الميلادي، وكانت في بدايتها جبانة خاصة بأسرة رومانية ثرية من أعيان الإسكندرية، قبل أن تتحول إلى مقبرة عامة مع تزايد الحاجة إلى المدافن خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين.

واستمر استخدام المقبرة حتى نهاية القرن الرابع الميلادي، لتصبح واحدة من الشواهد المهمة على تطور الطقوس الجنائزية في الإسكندرية خلال العصر الروماني.

ثلاثة مستويات تحت الأرض.. رحلة إلى عالم الموتى

تتكون مقابر كوم الشقافة من ثلاثة مستويات منحوتة في الصخر، ويتميز تصميمها باستغلال المساحة الرأسية تحت الأرض، بما يتيح الوصول إلى حجرات الدفن والممرات الداخلية.

ويبدأ مسار الزيارة بسلم حلزوني يهبط بالزائر إلى قلب المقبرة، حيث تتكشف مجموعة من العناصر المعمارية، من بينها القاعة المستديرة المعروفة باسم «الروتوندا»، وممرات تؤدي إلى الحجرات الجنائزية.

وتضم المقبرة كذلك قاعة تعرف باسم «التريكلينيوم»، وكانت مخصصة لإقامة الولائم الجنائزية والوجبات التذكارية تكريمًا للموتى، وهو ما يكشف عن أهمية الطقوس الاجتماعية المرتبطة بالموت والذكرى في ذلك العصر.

أما المستوى السفلي الثالث، فقد تأثر بالمياه الجوفية، وأصبح غير متاح للزيارة، وفقًا للمعلومات المنشورة عن الموقع.

حراس المقبرة.. أنوبيس بملامح رومانية

Poklady Egypta - Káhira, pyramidy, Alexandrie a Marsa Matrouh - Egypt | CK FISCHER

من أبرز ما يميز المقبرة مشاهدها الفنية التي تجمع بين الرموز المصرية واليونانية والرومانية، ويظهر ذلك بوضوح في التمثيلات المرتبطة بحراسة المدفن.

ومن أشهر هذه المشاهد تصوير الإله أنوبيس، المرتبط بالتحنيط وحماية الموتى في العقيدة المصرية القديمة، في هيئة تجمع بين رأسه الحيواني وملابس جندي روماني، في صورة تكشف عن التداخل الفني والثقافي الذي شهدته الإسكندرية آنذاك.

وتظهر في الزخارف أيضًا عناصر مستوحاة من المعتقدات اليونانية والرومانية، بما يؤكد أن المقبرة لم تكن مجرد مكان للدفن، بل مساحة للتعبير عن عالم ديني وفني متعدد التأثيرات.

كيف اجتمعت الحضارة المصرية بالفن اليوناني والروماني؟

تقدم كوم الشقافة نموذجًا واضحًا لما يمكن وصفه بالتداخل الحضاري؛ فالتصميم المعماري يتضمن عناصر من التقاليد اليونانية والرومانية، بينما تحمل الزخارف والتماثيل رموزًا مصرية قديمة مرتبطة بالبعث والحياة الأخرى.

ويعكس هذا المزيج طبيعة المجتمع السكندري خلال العصر الروماني، حيث تفاعلت ثقافات متعددة، وظهرت أشكال فنية جديدة لم تتخلَّ تمامًا عن الموروث المصري، بل أعادت توظيفه في سياق مختلف.

ومن هنا تأتي القيمة الأثرية للمقابر؛ فهي لا تقدم صورة عن فن العمارة الجنائزية فقط، وإنما تساعد الباحثين على فهم طبيعة المعتقدات والهوية الثقافية لسكان الإسكندرية في تلك الفترة.

اكتشافات وأسرار فنية خلفت اهتمامًا علميًا

لم تتوقف أهمية كوم الشقافة عند العناصر الظاهرة للزائر؛ فقد شهد الموقع دراسات أثرية متخصصة حاولت الكشف عن تفاصيل زخارفه ورسومه التي تآكل بعضها أو اختفت مع مرور الزمن.

ومن أبرز هذه الجهود ما يتعلق بالرسوم الجدارية؛ إذ تمكن باحثون من رصد آثار لرسوم كانت غير واضحة بالعين المجردة، واستخدموا التصوير بالأشعة فوق البنفسجية وتقنيات رقمية حديثة لإظهار بعض المشاهد والألوان المطموسة.

وتكشف هذه الدراسات عن أهمية التكنولوجيا الحديثة في إعادة قراءة المواقع الأثرية، والوصول إلى تفاصيل ربما لم تكن واضحة عند فحص الجدران بالطرق التقليدية.

كوم الشقافة.. شاهد على تعدد ثقافات الإسكندرية

EGYPT-ARCHAEOLOGY-TOURISM

تظل مقابر كوم الشقافة واحدة من أبرز الشواهد الأثرية على التفاعل بين الحضارات التي مرت على الإسكندرية، فهي تجمع في مكان واحد عناصر من الفن المصري القديم والتقاليد اليونانية والرومانية، وتقدم صورة عن مجتمع تشكلت ثقافته عبر قرون من التفاعل بين شعوب ومعتقدات مختلفة.

ومن خلال ممراتها وحجراتها ونقوشها، يستطيع الزائر التعرف على جانب من تاريخ المدينة، ليس فقط باعتبارها مركزًا سياسيًا وتجاريًا مهمًا، بل باعتبارها أيضًا مساحة التقت فيها الفنون والعقائد، وظهرت فيها أنماط معمارية وفنية تحمل بصمة هذا التنوع الحضاري.

تم نسخ الرابط