رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

تمثال له عينان من الكريستال.. كيف جعل المصري القديم التمثال يبدو حيًا؟

تمثال شيخ البلد
تمثال شيخ البلد

عندما تقف أمام بعض التماثيل المصرية القديمة، قد تشعر للحظة بأن الشخصية المصورة لا تزال تنظر إليك، رغم مرور آلاف السنين على نحتها. والسر في كثير من الأحيان لا يكمن في ملامح الوجه وحدها، وإنما في واحدة من أكثر التفاصيل دقة وإبداعًا: العينان.

فالمصري القديم لم يكتفِ بنحت العين داخل الحجر أو الخشب، وإنما لجأ في بعض التماثيل إلى تركيب عيون من مواد مختلفة، من بينها الكريستال الصخري والكالسيت والحجر الأسود، مع استخدام النحاس في بعض النماذج لتحديد العين وإبرازها.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك تمثال كا-بر، المعروف شعبيًا باسم «شيخ البلد»، والذي يرجع إلى عصر الدولة القديمة، الأسرة الخامسة، ويعود إلى نحو 2465–2323 قبل الميلاد. وتذكر وزارة السياحة والآثار أن عيني التمثال مطعمتان بالكالسيت والكريستال الصخري والحجر الأسود، ومحاطتان بالنحاس في محاكاة لتأثير مكياج العين.

عينان صنعتا الإحساس بالحياة

كان الهدف من هذه التقنية يتجاوز مجرد إضافة عنصر زخرفي إلى التمثال؛ فتركيب مواد مختلفة داخل تجويف العين خلق تباينًا بين بياض العين وبؤبؤها والإطار المحيط بها.

ومع سقوط الضوء على الكريستال الصخري، يمكن أن يظهر سطح العين بلمعان مختلف عن بقية خامة التمثال، وهو ما يضيف إحساسًا بالحيوية إلى الوجه.

ولهذا السبب تبدو بعض التماثيل المصرية القديمة وكأنها تراقب المشاهد، خصوصًا عندما تكون العينان محفوظتين بصورة جيدة.

«شيخ البلد».. تمثال جعل العمال يظنون أنه شخص حقيقي

ويقدم تمثال كا-بر واحدة من أشهر الحكايات المرتبطة بواقعية التماثيل المصرية القديمة.

فالتمثال الخشبي يصور كا-بر، وهو كاهن قارئ، في وضع الوقوف ممسكًا بعصا. وتصفه وزارة السياحة والآثار بأنه يتمتع بدرجة لافتة من الواقعية، على عكس المثالية الشديدة التي ظهرت في كثير من تماثيل الملوك وأفراد الأسرة الملكية.

وعندما اكتشفه عمال الحفائر في سقارة خلال أعمال مارييت، وجدوا أن ملامحه تشبه إلى حد كبير عمدة قريتهم، فأطلقوا عليه اسم «شيخ البلد»، وهو الاسم الذي ظل مرتبطًا بالتمثال حتى اليوم.

لماذا كانت العين مهمة إلى هذه الدرجة؟

لم تكن العين في الفن المصري القديم مجرد جزء من الوجه؛ فقد ارتبطت بمفاهيم دينية ورمزية عميقة، كما أن «فتح العينين» كان جزءًا من طقوس مرتبطة بإعادة تمكين المتوفى من ممارسة وظائفه في العالم الآخر.

وفي عالم التماثيل، كان جعل العين أكثر واقعية يساعد على منح الصورة حضورًا أقوى، خصوصًا أن المصري القديم كان ينظر إلى التمثال الجنائزي باعتباره وسيلة مهمة لاستمرار حضور الشخص بعد وفاته.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الكبير بالتفاصيل الدقيقة للوجه والعينين.

الكريستال لم يكن وحده

وتكشف المجموعات المتحفية عن استخدام أكثر من مادة لصناعة العيون أو تطعيمها.

ففي تمثال كا-بر، اجتمعت الكالسيت والكريستال الصخري والحجر الأسود والنحاس في تكوين واحد للعين.

كما يحتفظ متحف المتروبوليتان للفنون بنماذج مصرية أخرى تظهر استخدام الكريستال أو الزجاج في العيون؛ من بينها تمثال صغير للمشرف «سنبي»، تعود عيونه إلى كرات من الكريستال الأبيض مع بؤبؤ من مادة سوداء وإطارات من سبيكة نحاسية.

وفي تمثال لطائر أبو منجل يعود إلى العصر المتأخر والعصر البطلمي، استخدمت أيضًا عيون من الكريستال أو الزجاج، ما يؤكد أن تقنية تطعيم العيون ظهرت في أكثر من سياق فني عبر فترات مختلفة من الحضارة المصرية.

المصري القديم لم يترك العين «مسطحة»

عند النظر إلى تمثال مصري قديم مصنوع من الحجر، قد تبدو العين في البداية مجرد جزء منحوت من الوجه، لكن بعض التماثيل تكشف عن تقنية مختلفة تمامًا.

كان النحات يترك تجويفًا مناسبًا للعين، ثم يثبت داخله مواد ذات ألوان وخصائص مختلفة، بحيث يصبح للعين عمق وتباين ولمعان.

وهنا تظهر براعة النحات في الجمع بين النحت والهندسة واختيار الخامات، فالهدف لم يكن فقط أن تكون العين صحيحة من الناحية التشريحية، وإنما أن تبدو مقنعة عند النظر إليها.

الواقعية لم تكن تعني التخلي عن الرمزية

ورغم هذه الواقعية اللافتة، فإن الفن المصري القديم لم يكن يسعى دائمًا إلى تصوير الإنسان كما تراه العين في الحياة اليومية.

فالتماثيل الملكية، على سبيل المثال، اتبعت في كثير من الأحيان قواعد مثالية ثابتة تعكس القوة والشباب والهيبة الملكية.

أما بعض تماثيل الأفراد، مثل كا-بر، فتظهر فيها ملامح أكثر واقعية، بما في ذلك شكل الجسم والوجه، وهو ما يجعل المقارنة بين تماثيل الأفراد والملوك من أكثر الجوانب إثارة في دراسة الفن المصري القديم.

كيف بقيت العينان لامعتين بعد آلاف السنين؟

تكمن المفارقة في أن المواد التي استخدمها المصري القديم لصناعة هذه التفاصيل الدقيقة ساعدت بعض العيون على الاحتفاظ بمظهرها حتى العصر الحديث.

ومع بقاء الكريستال والحجر الأسود وبعض الأجزاء المعدنية، تظل العين مختلفة في اللون والملمس عن الخشب أو الحجر الذي يحيط بها، ولذلك يشعر المشاهد بأن الوجه أكثر حيوية.

وهذا لا يعني أن التمثال «يبدو حيًا» بالمعنى الحرفي، وإنما أن اختيار الخامة وطريقة تركيبها والضوء المنعكس عليها صنعت تأثيرًا بصريًا قويًا للغاية.

تم نسخ الرابط