رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

تل اليهودية يفتح ملف الهكسوس من جديد.. 30 موقعا مرتبطا بهذه المرحلة في مصر

تل اليهودية
تل اليهودية

يكشف موقع تل اليهودية بمحافظة القليوبية عن صفحات مهمة من تاريخ مصر القديم، في منطقة شهدت تعاقب حضارات وفترات تاريخية مختلفة، من عصر الدولة الوسطى وحتى العصر اليوناني الروماني، بما يجعل الاكتشافات الأثرية بها مصدرا مهما لإعادة قراءة تفاصيل الحياة والاستيطان والدفن في منطقة الدلتا.

وأوضح الدكتور أيمن عشماوي، مستشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن اسم "تل اليهودية" لا ينبغي تفسيره من منظور ديني، مؤكدا أن التسمية مرتبطة بتاريخ طويل للموقع، وأن علم الآثار يتعامل مع الأدلة والمصادر الأثرية والتاريخية بعيدا عن التفسيرات العقائدية.

حقيقة اسم تل اليهودية وأصل التسمية

وقال عشماوي إن المنطقة كانت تحمل في المصادر القديمة أسماء مختلفة، كما أن اسم تل اليهودية ليس هو الاسم الأصلي للموقع في الحضارة المصرية القديمة، مشيرا إلى أن الموقع ارتبط باسم مصري قديم، قبل أن تتغير تسميته خلال الفترات التاريخية اللاحقة، وصولا إلى الاسم المعروف حاليا.

وأضاف أن الموقع عرف أيضا في العصر اليوناني باسم يرتبط بمدينة الأسود، قبل أن يستقر الاسم المتداول حاليا، موضحا أن تغير أسماء المواقع الأثرية عبر العصور أمر معروف في دراسة الحضارات القديمة.

وأوضح مستشار الأمين العام للآثار أن المنطقة شهدت خلال العصر البطلمي وجود جماعة أسست لها موقعا خاصا، وأقيم بها معبد عرف باسم معبد أونياس.

وأشار إلى أن المعبد ارتبط بفكرة بناء معبد على غرار هيكل سليمان، وفقا لما هو معروف في المصادر التاريخية، وأنه أقيم خلال فترة حكم بطليموس السادس، وظل قائما حتى تم إغلاقه في العصر اليوناني الروماني.

وأكد أن هذه التفاصيل تعكس تعدد الفترات التاريخية التي شهدها الموقع، وعدم ارتباطه بعصر واحد فقط.

تل اليهودية وعلاقة الموقع بالهكسوس

وتطرق عشماوي إلى أهمية الموقع في دراسة فترة الهكسوس، موضحا أن الهكسوس يمثلون إحدى المراحل المهمة في تاريخ مصر القديمة، وأن فترة حكمهم امتدت لنحو قرن ونصف خلال عصر الانتقال الثاني.

وأوضح أن المصريين القدماء أطلقوا على الهكسوس اسم "حكا خاسوت"، بمعنى حكام الأراضي الأجنبية.

وأشار إلى أن عاصمة الهكسوس الرئيسية كانت في أواريس، الواقعة بمنطقة تل الضبعة بمحافظة الشرقية، بينما شهدت منطقة تل اليهودية أيضا وجودا واستيطانا خلال تلك الفترات، وهو ما يزيد من أهمية الموقع في دراسة هذه المرحلة التاريخية.

وأكد عشماوي أن أهمية تل اليهودية لا تقتصر على فترة زمنية محددة، إذ تشير الأدلة الأثرية إلى امتداد النشاط والاستيطان في المنطقة عبر فترات متعاقبة، من الدولة الوسطى والدولة الحديثة إلى العصر المتأخر ثم العصر اليوناني الروماني.

وأوضح أن هذا الامتداد الزمني يمنح الموقع قيمة خاصة في فهم طبيعة التغيرات التي شهدتها المنطقة، وكذلك أشكال الاستيطان والدفن التي ظهرت فيها.

طرز دفن نادرة في منطقة الدلتا

ولفت إلى أن الاكتشافات الأثرية في تل اليهودية كشفت عن طرز دفن نادرة نسبيا في منطقة الدلتا، تختلف في تصميمها عن الطرز المعروفة في بعض مناطق صعيد مصر.

وأوضح أن طبيعة التربة كانت عاملا رئيسيا في تحديد شكل المقابر وطرق الدفن، مشيرا إلى وجود نمطين رئيسيين من المقابر المكتشفة.

ويتمثل الطراز الأول في مقابر منحوتة في الصخر، لها مدخل يؤدي عبر سلم إلى صالة تضم فتحات للدفن، بينما يتمثل الطراز الثاني في بئر مستطيلة تؤدي إلى غرفتين للدفن.

وأكد أن هذه الطرز تعد ذات أهمية خاصة لدراسة تطور أنماط الدفن في منطقة الدلتا، خاصة في ظل اختلاف طبيعة التربة عن المناطق التي ظهرت فيها المقابر الصخرية بصعيد مصر.

وأوضح عشماوي أن هناك اختلافا بين العلماء حول طبيعة الموقع ودوره الأساسي، وهل كان مركزا إداريا أم موقعا دينيا أم حصنا عسكريا.

وأضاف أنه من خلال قراءة الأدلة الأثرية المتاحة، يمكن النظر إلى الموقع باعتباره مجمعا متكاملا جمع أكثر من وظيفة، إذ ظهرت به مؤشرات على وجود نشاط ديني واستيطاني وإداري في الوقت نفسه.

وأكد أن الربط بين نتائج الحفائر والمصادر التاريخية يمثل عاملا أساسيا في الوصول إلى فهم أكثر دقة لطبيعة المواقع الأثرية.

30 موقعا مرتبطا بالهكسوس في مصر

وأشار مستشار الأمين العام للآثار إلى أن فترة الهكسوس لا تزال تحمل العديد من الجوانب التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة، لافتا إلى وجود نحو 30 موقعا ثانويا مرتبطا بهذه المرحلة في مصر.

وأوضح أن الهكسوس لم يحكموا جميع أنحاء مصر، وإنما سيطروا على أجزاء من البلاد، خاصة مناطق الوجه البحري، بينما ظلت مناطق أخرى تحت حكم المصريين.

كيف خرج الهكسوس من مصر؟

وتحدث عشماوي عن مراحل الصراع مع الهكسوس، موضحا أن الملك سقن رع بدأ التحرك ضدهم، ثم واصل ابنه كامس المواجهة، قبل أن ينجح الملك أحمس الأول في إنهاء وجودهم في مصر.

وأضاف أن أحمس الأول واصل حملته حتى طرد الهكسوس خارج الحدود المصرية، وصولا إلى منطقة شاروهين في صحراء النقب، بما أنهى مرحلة مهمة من تاريخ مصر القديمة.

وأكد أن دراسة هذه الفترة لا تتوقف عند لحظة خروج الهكسوس، إذ إن الأدلة الأثرية تكشف عن استمرار التأثيرات والتفاعلات بين مصر والمناطق المحيطة بها خلال الفترات اللاحقة.

هل انتهت الاكتشافات في تل اليهودية؟

وحول ما إذا كان الكشف الحالي يمثل نهاية أعمال البحث في المنطقة، أكد عشماوي أن المواقع الأثرية لا يمكن اعتبارها مغلقة أمام الاكتشافات الجديدة، مشيرا إلى أن أعمال الحفائر تعتمد على تراكم المعلومات ومراجعتها باستمرار.

وأوضح أن أي اكتشاف جديد يمكن أن يغير بعض الفرضيات السابقة أو يضيف معلومات جديدة، ولذلك تستمر أعمال البحث والحفائر في المواقع الأثرية على مدار سنوات طويلة.

وأشار إلى أن هذا الأمر ينطبق على العديد من المواقع المصرية الكبرى، ومنها سقارة، حيث يمكن أن تؤدي الاكتشافات الجديدة إلى إعادة قراءة بعض الفرضيات والتفسيرات الأثرية السابقة.

وأكد عشماوي أن أعمال التنقيب الأثري أصبحت تعتمد على تقنيات وأجهزة حديثة تساعد الباحثين في توثيق المكتشفات ودراسة المواقع بصورة أكثر دقة مقارنة بالماضي.

وأوضح أن العمل الأثري يحتاج إلى قدر كبير من الدقة والهدوء، نظرا لأن فقدان أي أثر أو جزء من المكتشفات قد يؤدي إلى ضياع معلومات مهمة عن الموقع وتاريخه.

وأشار عشماوي إلى أن فترة الهكسوس شهدت أيضا إدخال عناصر عسكرية جديدة إلى مصر، من بينها استخدام الخيول والعجلات الحربية، وهو ما ترك أثرا في تطور أساليب القتال خلال تلك المرحلة.

وأضاف أن الهكسوس تأثروا بدورهم بالحضارة المصرية، وحاولوا التقرب من المجتمع المصري من خلال تبني بعض العناصر المرتبطة بالمعتقدات الدينية المصرية، وهو ما يعكس طبيعة التفاعل الحضاري بين الطرفين.

وأوضح أن نجاح الهكسوس في السيطرة على مناطق من شمال مصر وعدم تمكنهم من فرض السيطرة نفسها على صعيد مصر ارتبط بعدة عوامل، من بينها وجود قوى محلية في الجنوب رفضت الخضوع واستمرت في مقاومة الوجود الهكسوسي.

تل اليهودية.. موقع مفتوح على مزيد من الاكتشافات

وتكشف المعلومات التي عرضها الدكتور أيمن عشماوي عن أهمية تل اليهودية باعتباره موقعا أثريا متعدد الطبقات التاريخية، لا يرتبط بفترة واحدة، بل شهد مراحل متعاقبة من الاستيطان والنشاط الديني والإداري والعسكري.

ومع استمرار أعمال الحفائر وتطور أدوات البحث الأثري، تظل المنطقة مفتوحة أمام اكتشافات جديدة يمكن أن تضيف تفاصيل إلى فهم تاريخ الدلتا وعلاقتها 

تم نسخ الرابط