متحف كوم أوشيم بالفيوم.. رحلة عبر آلاف السنين من الحضارة الفرعونية
حين تذكر محافظة الفيوم، ربما تتبادر إلى الأذهان صورة السواقي الشهيرة والحقول الخضراء، باعتبار الزراعة واحدة من أبرز الأنشطة التي ارتبط اسم المحافظة بها على مدار سنوات طويلة.
لكن خلف هذا المشهد الريفي الهادئ تختبئ حكاية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في ثراء أثري استثنائي جعل الفيوم واحدة من أبرز المناطق التي تحتضن شواهد نادرة على الحضارة المصرية بمراحلها المختلفة.
ومن بين أبرز الأماكن التي تكشف هذا الثراء متحف كوم أوشيم الأثري، الواقع بطريق القاهرة - الفيوم الصحراوي، والذي يحتضن مجموعة متميزة من القطع الأثرية التي تعكس جانبا مهما من تاريخ المنطقة، بداية من العصور المصرية القديمة مرورا بالعصرين اليوناني والروماني والعصر القبطي وصولا إلى العصر الإسلامي.
ويقدم المتحف لزواره رحلة زمنية بين آلاف السنين، من خلال مجموعة أثرية متنوعة تضم مومياوات وقطع حلي وتماثيل وأقنعة ولوحات وتوابيت وأدوات استخدمت في الحياة اليومية والطقوس الدينية، إلى جانب أحد أشهر الشواهد على فنون التصوير الجنائزي في مصر القديمة، وهي وجوه الفيوم.
متحف كوم أوشيم.. شاهد على تاريخ الفيوم
يعد متحف كوم أوشيم من المتاحف الإقليمية المهمة التي توثق تاريخ محافظة الفيوم عبر العصور، ويقع عند الكيلو 72 بطريق القاهرة - الفيوم الصحراوي، بالقرب من المدينة الأثرية كرانيس، التي تزخر بالآثار اليونانية والرومانية.
وأنشئ مبنى المتحف عام 1974، وكان في بدايته عبارة عن صالة واحدة لعرض بعض الآثار التي خرجت من حفائر منطقة كوم أوشيم.
وفي عام 1993 شهد المتحف توسعة وإضافة طابق علوي، بهدف استيعاب المزيد من القطع الأثرية وتقديم عرض متحفي أكثر تنوعا.
وأغلقت أبواب المتحف في فبراير 2006، قبل أن يخضع لأعمال تطوير شملت المبنى وإعادة تنظيم العرض المتحفي وتأهيله، ليعاد افتتاحه في 3 نوفمبر 2016، في إطار أعمال الترميم والتطوير التي استهدفت تحديث المتحف وإعادة تقديم مقتنياته للجمهور.
ويضم المتحف مبنى للإدارة، وآخر للترميم، ومخزنا، إلى جانب حديقة متحفية، كما أحيط بسور مزود بكاميرات للمراقبة.
رحلة بين عصور الحضارة المصرية
يقول الدكتور ممدوح الشوكي، مدير عام متحف كوم أوشيم الأثري، إن المتحف يمثل أحد الأماكن المهمة في محافظة الفيوم، خاصة أنه يقع ضمن نطاق المدينة الأثرية كرانيس، التي تضم مجموعة كبيرة من الآثار التي تعود إلى العصرين اليوناني والروماني.
وأوضح أن فكرة العرض المتحفي تعتمد على تقديم مجموعة من الآثار التي خرجت من منطقة كوم أوشيم ومناطق أثرية أخرى في الفيوم، بما يسمح للزائر بالتعرف على مراحل مختلفة من الحضارة المصرية.
ويضم سيناريو العرض آثارا تعود إلى فترات تاريخية متعددة، تشمل العصر المصري القديم والعصر اليوناني الروماني والعصر القبطي والعصر الإسلامي، بما يجعل زيارة المتحف بمثابة رحلة زمنية تستعرض تطور الحياة والفنون والعقائد في الفيوم عبر فترات متعاقبة.
ويتكون العرض المتحفي من قاعتين، إحداهما في الطابق الأرضي والأخرى في الطابق العلوي، وتضم القاعات مجموعة من القطع الأثرية التي جرى ترتيبها وفقا للتسلسل التاريخي.
لوحة سوبك-إم-سات.. مشهد من الدولة الوسطى
من القطع المميزة التي يضمها المتحف لوحة للمدعو "سوبك-إم-سات"، مصنوعة من الحجر الجيري الملون، وقد وردت إلى المتحف من المتحف المصري بالتحرير، بينما عثر عليها في إدفو، وترجع إلى عصر الدولة الوسطى.
وتتميز اللوحة بقمة مستديرة، ويظهر في الجزء العلوي منها "سوبك-إم-سات" جالسا وفي يده اليسرى زهرة اللوتس، التي ارتبطت لدى المصري القديم بمعاني التجدد والأبدية وكان لها حضور مهم في المعتقدات المصرية القديمة.
ويظهر أمامه رجل آخر يحمل إناء ومبخرة، بينما تقف خلفه زوجته وتحتضنه بذراعها، في مشهد يعكس جانبا من التصوير الذي جمع بين الأشخاص والرموز ذات الدلالات الدينية والاجتماعية.
مسرجة بطابع مميز من العصر البطلمي
ومن بين مقتنيات المتحف أيضا مسرجة ترجع إلى العصر البطلمي، وتتميز بوجود ثلاث فوهات استخدمت كمشاعل، بينما خصص الثقب الأوسط لوضع الزيت.
وزين باقي جسم المسرجة بخطوط بارزة، في نموذج يكشف جانبا من الأدوات التي استخدمت في الحياة اليومية خلال تلك الفترة.
تمثال أفروديت.. إلهة الجمال في مصر اليونانية الرومانية
ويحتفظ المتحف كذلك بتمثال للإلهة أفروديت، إلهة الجمال لدى اليونان، والتي انتشرت عبادتها في مصر خلال العصرين اليوناني والروماني.
وصورت أفروديت وهي ترفع يديها إلى أعلى وتمسك بأطراف غطاء الرأس، بينما تظهر في الخلفية قوقعتان.
وتتميز الحافتان العليا والسفلى للقطعة بإفريز معماري مزين بزخارف هندسية من بينها زخرفة البيض والسهم.
مسند رأس يحكي معتقدات المصري القديم
ومن القطع اللافتة أيضا مسند رأس يرجع إلى العصر المتأخر، يظهر عليه المعبود بس، الذي ارتبط لدى المصريين القدماء بالحماية، وكان يعتقد أنه يحمي المتوفى من الكائنات التي قد تهدده أثناء النوم.
وصنع المسند من الخشب، ويعرض في الطابق العلوي بالمتحف.
وفي المتحف أيضا فازة كبيرة مزينة بزخارف نباتية تمثل الزهور العثمانية، وتحمل كتابات بالخط العربي، من بينها سورة الفاتحة من أحد الجانبين، بينما يتضمن الجانب الآخر وصفا للرسول عليه أفضل الصلاة والسلام.
حورس الطفل فوق التمساح
وتضم مجموعة المقتنيات تميمة تمثل حورس الطفل واقفا فوق تمساح، وهي مصنوعة من القيشاني وترجع إلى العصر المتأخر.
كما يوجد تمثال لحربوقراط يمتطي حصانا، مصنوع من التراكوتا، وعثر عليه في منطقة كيمان فارس بالفيوم، ويرجع إلى العصر اليوناني الروماني.
مومياء داخل تابوت خشبي
ومن أبرز القطع التي تجذب اهتمام زوار المتحف مومياء محفوظة داخل تابوت خشبي مغطى بطبقة من الجص الملون.
وتظهر على المومياء طبقات من الكارتوناج، من بينها قناع يغطي الرأس والوجه المذهب، إلى جانب شرائط تغطي أجزاء من الجسم.
ويتكون الكارتوناج من طبقات من البردي الملتصقة معا والمغطاة بطبقة من الجص الملون، وترجع هذه المومياء إلى العصر المتأخر.
قناع سيدة من حفائر هوارة
ويحتوي المتحف كذلك على قناع مميز لسيدة عثر عليه ضمن حفائر منطقة هوارة بالفيوم، وهو مصنوع من الكارتوناج ويرجع إلى العصر المتأخر.
ويظهر القناع سيدة ترتدي شعرا مستعارا مثبتا بعصابة يتوسطها قرص الشمس الذي يدفعه شعر مجنح.
وينسدل طرفا الشعر المستعار على الصدر، وقد صور على كل طرف منهما أوزيريس جالسا على العرش وممسكا بالصولجان "واس"، ويرتدي تاج الأتف.
كما زين الصدر بمجموعة من الزخارف الهندسية الملونة، بما يمنح القناع قيمة فنية وأثرية مميزة.
وجوه الفيوم.. أشهر لوحات المتحف
ولا تكتمل قصة متحف كوم أوشيم من دون التوقف أمام واحدة من أشهر المقتنيات المرتبطة بالفيوم، وهي بورتريه يمثل أحد وجوه الفيوم.
والبورتريه مصنوع من الخشب الملون، ويبلغ ارتفاعه نحو 40.1 سم، ويرجع إلى العصر اليوناني الروماني، ويعرض داخل فاترينة بالطابق العلوي.
وتعد وجوه الفيوم من أبرز مظاهر الفن الجنائزي الذي ظهر في مصر خلال العصرين اليوناني والروماني، وتمثل نماذج لصور شخصية رسمت لتوضع مع المومياوات، لتبقى ملامح أصحابها حاضرة عبر الزمن.
مومياء شاب بوجه مرسوم
ومن القطع اللافتة أيضا مومياء لشاب يظهر عليها وجه المتوفى مرسوما على البردي في صورة بورتريه، بينما لف جسد المومياء بالكتان وغطيت بطبقة سميكة من الصمغ بهدف حماية الجسد.
وترجع المومياء إلى العصر القبطي، وتعرض ضمن مقتنيات المتحف بالطابق العلوي.
حلي ذهبية وعقد من القيشاني
ويضم المتحف مجموعة من الحلي القديمة، من بينها قرطة زوجية، أي حلق، على شكل نصف دائرة، تتدلى منها حبات من الجانبين ومن أعلى.
وصنعت القرطة من الذهب، ويبلغ طولها نحو 2.1 سم، وترجع إلى العصر القبطي، وتعرض بالطابق الأول.
كما يضم المتحف عقدا مميزا مكونا من حبات من القيشاني الأزرق المغشى بالذهب، إلى جانب حبات من الأوبسيديان وحبات صغيرة من القيشاني الأزرق المذهب، ومن بينها حبات على هيئة أوشابتي.
ويعود العقد إلى عصر الدولة الوسطى، ويكشف عن مستوى من الدقة في صناعة الحلي والزخارف خلال تلك الفترة.


