شونة الزبيب في أبيدوس.. أثر عمره أكثر من 4 آلاف عام يكشف أسرار مصر القديمة
في قلب صعيد مصر، حيث تتجاور الرمال مع آثار حضارة صنعت لنفسها مكانا خالدا في ذاكرة العالم، يقف أثر استثنائي لا تزال جدرانه تحمل أسرارا بدأت قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
هنا في أبيدوس، بمدينة البلينا جنوب محافظة سوهاج، تبدو «شونة الزبيب» وكأنها بوابة مفتوحة على زمن بعيد، يكفي أن تقف أمام جدرانها الضخمة حتى تشعر بأن المسافة بين الحاضر والماضي قد اختفت.
فالمكان الذي يبدو للوهلة الأولى مجرد بناء من الطوب اللبن، يخفي وراء جدرانه قصة مهمة عن تطور العمارة والطقوس الجنائزية في مصر القديمة، وعن واحدة من أقدم المحاولات التي سعى من خلالها المصري القديم إلى تخليد ذكرى الملك وربط اسمه بفكرة الحياة الأخرى.
لماذا سميت «شونة الزبيب»؟
رغم أن اسم «شونة الزبيب» يرتبط اليوم بالمنشأة الأثرية الموجودة في منطقة العرابة المدفونة بأبيدوس، فإن تاريخ المكان أقدم بكثير من الاسم المتداول حاليا.
وترجع المنشأة إلى عصر الأسرة الثانية، وتحديدا إلى عهد الملك خع سخموي، آخر ملوك الأسرة الثانية، في فترة تعود إلى نحو 2700 قبل الميلاد.
ولم تكن «شونة الزبيب» مجرد مبنى ضخم أقيم في الصحراء، بل ارتبطت بطقوس وممارسات ذات صلة بالملك والحياة الأخرى، لتصبح واحدة من المنشآت المبكرة التي تكشف كيف بدأ المصري القديم في تطوير أفكاره الخاصة بتخليد الملك بعد وفاته.
ومن هذه النقطة تحديدا تظهر أهمية الموقع، إذ ينظر إليه باعتباره نموذجا مبكرا في تطور العمارة الجنائزية المصرية، وهي العمارة التي ستتخذ أشكالا أكثر تعقيدا وضخامة خلال العصور اللاحقة.
جدران ضخمة صمدت لأكثر من 4 آلاف عام
أول ما يلفت انتباه الزائر عند الاقتراب من «شونة الزبيب» هو ضخامة جدرانها المصنوعة من الطوب اللبن، والتي نجحت في الصمود أمام عوامل الزمن طوال آلاف السنين.
ويمتد الجدار الخارجي للمنشأة لنحو 137 مترا، بينما يصل عرضها إلى نحو 77 مترا، ويبلغ ارتفاع الجدران قرابة 12 مترا، وهي أبعاد تكشف عن حجم المشروع المعماري الذي نفذه المصري القديم في فترة مبكرة للغاية من تاريخ الحضارة المصرية.
لكن ضخامة البناء ليست وحدها ما يثير الانتباه، فالتصميم نفسه يحمل دلالات مهمة، فقد صممت الواجهات بتفاصيل معمارية تحاكي واجهة القصر الملكي، بما يعكس استمرار حضور الملك ورمزيته حتى بعد وفاته.
كما جاءت مداخل المنشأة ضخمة، وصممت بحيث يمكن إغلاقها بأبواب حجرية، في تصميم يعكس مستوى متقدما من التخطيط والهندسة بالنسبة إلى الفترة التي شيد فيها المبنى.
«شونة الزبيب».. أثر لا يكشف كل أسراره
ورغم مرور آلاف السنين على إنشاء «شونة الزبيب»، فإن الموقع لا يزال يثير العديد من التساؤلات بين الباحثين.
فعلى الرغم من اتساع الساحة الداخلية وضخامة الجدران المحيطة بها، لم تظهر داخل المنشأة مبان ضخمة بالشكل الذي قد يتوقعه البعض، كما لم يتم العثور على مقبرة ملكية داخل الموقع نفسه.
وهذه التفاصيل جعلت «شونة الزبيب» واحدة من المواقع المهمة التي تساعد في دراسة مراحل تطور العمارة والطقوس الجنائزية في مصر القديمة، خاصة خلال الفترة التي سبقت ظهور النماذج الأكثر تطورا للمجمعات الجنائزية.
وفي عام 1988، كشف عالم المصريات ديفيد أوكونور عن عنصر معماري أثار مزيدا من التساؤلات داخل الموقع، تمثل في مربع من الطوب اللبن لم تتضح وظيفته بشكل نهائي، ليضيف تفصيلا جديدا إلى قائمة الأسرار التي لا تزال مرتبطة بالمنشأة.
وهكذا لا تقدم «شونة الزبيب» إجابات عن الماضي فقط، وإنما تترك أمام الباحثين أسئلة جديدة حول طبيعة المكان والوظائف التي كانت تؤديها أجزاؤه المختلفة.
هنا بدأت رحلة المصري القديم نحو الخلود
تتجاوز أهمية «شونة الزبيب» حدود كونها مبنى أثريا قديما، فهي تكشف جانبا من التحولات الفكرية والدينية التي شهدتها مصر القديمة، خاصة ما يتعلق بالموت والحياة الأخرى واستمرار ذكرى الملك بعد رحيله.
وفي أبيدوس، إحدى أهم المدن الدينية في مصر القديمة، ارتبطت الممارسات الجنائزية بفكرة استمرار الحياة بعد الموت، وهو ما انعكس على طبيعة المنشآت التي أقيمت لتخليد الملوك وإحياء ذكراهم.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى «شونة الزبيب» باعتبارها حلقة مهمة في تاريخ تطور المنشآت الجنائزية المصرية، إذ تكشف عن مرحلة مبكرة بدأ خلالها المصري القديم في وضع تصورات معمارية ودينية استمرت وتطورت عبر آلاف السنين.
ولهذا، فإن الوقوف أمام جدرانها لا يعني مشاهدة أثر قديم فحسب، وإنما يمنح الزائر فرصة للتأمل في مرحلة مبكرة من تاريخ الحضارة المصرية، عندما كانت أفكار الخلود وتخليد الملك تتخذ طريقها إلى الواقع في صورة مبان ضخمة شيدت لتبقى.
آثار من عصور مختلفة في المكان نفسه
ولا تتوقف حكاية الموقع عند عصر الأسرة الثانية، فقد كشفت المنطقة القريبة من الركن الجنوبي الشرقي للمنشأة عن بقايا كنيسة صغيرة شيدت في فترة لاحقة.
ويكشف وجود هذه البقايا عن طبيعة أبيدوس باعتبارها منطقة تراكمت فيها آثار وفترات تاريخية متعددة، بحيث أصبحت الأرض نفسها شاهدة على تعاقب الحضارات والمراحل الزمنية المختلفة.
فكل طبقة من طبقات الموقع تحمل جزءا من القصة، وكل بقايا معمارية تضيف تفصيلا جديدا إلى تاريخ المكان، لتصبح «شونة الزبيب» جزءا من مشهد أثري أكبر يمتد عبر قرون طويلة.
«شونة الزبيب».. عندما يصبح المكان كتابا مفتوحا
قد تبدو «شونة الزبيب» اليوم للعين المعاصرة مجموعة من الجدران المصنوعة من الطوب اللبن، لكنها في الحقيقة تختزن قصة إنسانية وحضارية تتجاوز شكلها الخارجي.
إنها قصة المصري القديم عندما بدأ يبحث عن طريقة يحافظ بها على اسم الملك وذكراه، ويمنحه حضورا يتجاوز حدود الحياة.
وبعد مرور أكثر من أربعة آلاف عام، لا تزال جدران «شونة الزبيب» قائمة في أبيدوس، شاهدة على مرحلة مبكرة من تاريخ العمارة المصرية، وعلى أفكار ارتبطت بالموت والخلود واستمرار الذكرى.
وهنا تكمن جاذبية المكان؛ فحين يقف الزائر أمام هذه الجدران، لا يرى مجرد أثر من الماضي، وإنما يرى جزءا من قصة الحضارة المصرية وهي تتشكل خطوة بعد أخرى.
في سوهاج، وتحديدا في أبيدوس، لا تتوقف الحكايات عند حدود المعابد والمقابر، فكل جدار يحمل أثرا من الماضي، وكل طوبة تحكي عن يد صنعتها، وكل موقع أثري يفتح نافذة جديدة على حضارة استطاعت أن تجعل من الزمن شاهدا على عظمتها.
وتبقى «شونة الزبيب» واحدة من أبرز هذه النوافذ، تروي بصمت حكاية ملك عاش قبل آلاف السنين، وحضارة آمنت بأن الموت لا يعني نهاية الحكاية، وأن الاسم يمكن أن يواصل رحلته نحو الخلود.


