رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من يسكن البيوت الأثرية بذاكرة رشيد؟.. حكايات أصحاب المنازل التي تحولت إلى آثار

Go Egypia

عندما يقف الزائر أمام أحد البيوت الأثرية في رشيد، قد يرى واجهة من الطوب الرشيدي ومشربيات خشبية وبابًا ضخمًا مزخرفًا، لكنه في الحقيقة يقف أمام شيء أكبر من مجرد مبنى قديم؛ يقف أمام أثر تركه أشخاص عاشوا هنا، ومارسوا أعمالهم، واستقبلوا ضيوفهم، وأداروا تجارتهم، وربما شهدت جدران منازلهم أفراحهم وخلافاتهم وأيامهم العادية.

فمنازل رشيد التاريخية ليست مجهولة الهوية تمامًا؛ كثير منها حمل أسماء أصحابها أو منشئيها، وأصبحت تلك الأسماء جزءًا من ذاكرة المدينة. وتضم رشيد نحو 22 منزلًا أثريًا تمثل جانبًا مهمًا من العمارة المدنية في العصر العثماني، إلى جانب المساجد والطواحين والمنشآت التاريخية الأخرى. 

وهنا تبدأ الحكاية من سؤال بسيط: من كانوا أصحاب هذه البيوت؟ وكيف تحولت حياتهم الخاصة إلى جزء من التراث الذي نحاول الحفاظ عليه اليوم؟

بيت الأمصيلي.. اسم صاحبه بقي بعد رحيله

House of Amasyali | Welp

ربما يكون بيت الأمصيلي أشهر مثال على العلاقة بين اسم الإنسان والبيت الذي تركه وراءه.يرتبط المنزل باسم أحمد الأمصيلي، بينما تشير المصادر التاريخية إلى أن إنشاءه يعود إلى عثمان أغا الطوبجي، أحد قادة الجيش العثماني، قبل أن يرتبط المنزل لاحقًا باسم الأمصيلي. وتعود العمارة الحالية إلى أوائل القرن التاسع عشر، وتحديدًا إلى عام 1808 وفق المصادر المنشورة. 

البيت المكون من ثلاثة طوابق لم يكن مجرد مكان للنوم، بل كان منزلًا له وظائف متعددة تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في ذلك العصر.

في الطابق الأرضي كانت هناك مخازن وحظيرة وصهريج للمياه، بينما ضم الطابق الأول حجرات للرجال وعناصر معمارية دقيقة، وكان الطابق العلوي مخصصًا للحريم وفق التقسيم التقليدي للمنازل في ذلك الوقت.

وبذلك، فإن تفاصيل البيت نفسها تخبرنا عن صاحبه؛ مكانته، وطبيعة عمله، ونمط حياته، والعلاقات الاجتماعية داخل المنزل.

عصفور.. تاجر وحياة كاملة خلف الجدران

بالصور.. تعرف على المناطق الأثرية بمدينة رشيد - اليوم السابع

ومن بيت الأمصيلي إلى منزل عصفور، تتغير الأسماء لكن تظل الحكاية واحدة: بيت ارتبط بعائلة وصاحبه، ثم تحول مع مرور الزمن إلى وثيقة معمارية.

يرجع إنشاء منزل عصفور إلى عام 1754، ويرتبط باسم إبراهيم بلطيش عصفور، ويضم ثلاثة طوابق، كان لكل منها استخدام مختلف. ففي الطابق الأرضي مخازن للغلال وحجرات للاستراحة وقاعة للمناسبات، بينما تضم الطوابق العليا حجرات وشبابيك ومشربيات خشبية.

وهنا يمكن قراءة المنزل باعتباره سجلًا غير مكتوب للحياة الاقتصادية؛ فوجود مخازن الغلال وقاعة للمناسبات لا يعكس التصميم فقط، وإنما يكشف عن طبيعة الأنشطة التي كانت تدور داخل المنزل وعلاقة صاحبه بالتجارة والمجتمع المحيط به.

حسيبة غزال.. البيت الذي يجاور الأمصيلي

445 : منزل السيده حسيبة غزاله . ش الطوبجى . البحيرة رقم الاثر : مسجل - 31 -  محافظات الموقع : يقع بشارع الطوبجى بين منزل الاماصيلى و طاحونه المحلى - رشيد  -

على مسافة قريبة من الأمصيلي يظهر منزل حسيبة غزال، وهو من البيوت الأثرية التي تحمل اسم صاحبتها أو العائلة المرتبطة بها.

المنزل الذي يرجع إلى الفترة نفسها تقريبًا يمثل نموذجًا آخر للعمارة الرشيدية، وتظهر في واجهته عناصر مثل المدخل المزخرف والطوب المنجور والنوافذ والمناور، بينما يكشف تخطيطه الداخلي عن تقسيمات دقيقة للغرف والخدمات. 

واللافت أن وجود المنزل ملاصقًا للأمصيلي لا يمثل مجرد صدفة عمرانية؛ فالبيوت التاريخية في رشيد كانت جزءًا من نسيج متكامل، تتجاور فيه مساكن الأسر وتتشابك فيه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

من كان يعيش خلف المشربيات؟

وراء كل مشربية في أحد بيوت رشيد قصة, هذه العناصر الخشبية لم تكن مجرد زخارف جميلة تلتقطها الكاميرات اليوم، وإنما كانت جزءًا من الحياة اليومية؛ توفر الخصوصية، وتسمح بمرور الهواء والضوء، وتطل على الشارع دون أن تكشف تفاصيل الحياة داخل المنزل.

وفي مداخل المنازل أيضًا تظهر طبقات أخرى من الحكاية؛ فالأبواب الخشبية المزخرفة والكتابات والزخارف لم تكن مجرد ديكور، بل كانت تحمل دلالات اجتماعية ودينية وجمالية، وتكشف عن مستوى المهارة التي وصل إليها صناع الخشب والعمارة في رشيد.

وبذلك يصبح السؤال عند النظر إلى منزل أثري مختلفًا قليلًا: ليس فقط «متى بُني هذا المنزل؟»، وإنما «من كان يفتح هذا الباب كل صباح؟»

«دولاب الأغاني».. عندما يتحول البيت إلى مسرح

دواليب الأغاني.. قصة ابتكار معماري حوّل بيوت رشيد إلى قاعات طرب (صور) |  مصراوي

ومن أكثر التفاصيل التي تكشف الجانب الإنساني في منازل رشيد ما يعرف بـ«دواليب الأغاني».

فبعض المنازل كانت تضم مساحات مخصصة لسماع الأغاني، منها ما كان مخصصًا للرجال ومنها ما كان للنساء، بما يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية داخل البيوت في ذلك العصر.

ويبرز بيت الأمصيلي باعتباره أحد أشهر النماذج، إذ يضم دولابًا للأغاني في الحجرة الرئيسية، مزينًا بالأخشاب والصدف والعاج والأرابيسك والخرط الخشبي.

وهنا تتحول جدران البيت من صامتة إلى شاهدة على لحظات اجتماعية عاشها سكانه؛ جلسات، وأحاديث، وموسيقى، وضيوف، وحياة أسرية كاملة.

البيت كان أكثر من مسكن

تصميم المنازل الأثرية في رشيد يكشف أن مفهوم «البيت» في ذلك الوقت كان أكثر اتساعًا من مجرد مكان للسكن.

كان البيت يمكن أن يكون مخزنًا، ومكانًا لاستقبال الضيوف، ومساحة لممارسة التجارة أو إدارة شؤون الأسرة، ومكانًا للحياة الاجتماعية، بل وأحيانًا مساحة للاحتفال والاستماع إلى الموسيقى.

ولهذا فإن دراسة المنازل الأثرية تفتح نافذة على المجتمع نفسه؛ على الطبقات الاجتماعية، والمهن، والعادات، وطريقة توزيع الأدوار داخل الأسرة، والعلاقة بين البيت والشارع.

أسماء اختفت.. وبيوت بقيت

مع مرور مئات السنين، اختفت أسماء كثيرة من الحياة اليومية في رشيد، لكن بعضها ظل محفوظًا في أسماء البيوت.

الأمصيلي، عصفور، حسيبة غزال، مكي، البقرولي، فرحات، القناديلي، المايزوني، التوقاتلي وغيرها من الأسماء أصبحت اليوم جزءًا من خريطة التراث المعماري للمدينة. وتضم القوائم المنشورة عشرات البيوت المسجلة التي تعود في معظمها إلى العصر العثماني.

وهذا يمنح رشيد ميزة نادرة؛ فالسائح لا يرى عمارة مجهولة، وإنما يستطيع أن يتحرك بين بيوت تحمل أسماء أشخاص عاشوا فيها، وتحولت تفاصيل حياتهم إلى جزء من تاريخ المكان.

ماذا بقي من أصحاب البيوت؟

ربما لم يبقَ من هؤلاء الأشخاص سوى أسمائهم على لوحات تعريفية أو في كتب الآثار والسجلات، لكنهم تركوا وراءهم شيئًا أكثر بقاءً: المكان نفسه.

تركوا أبوابًا خشبية، وأسقفًا مزخرفة، ومشربيات، ومخازن، وصهاريج، وحجرات استقبال، وتفاصيل صغيرة تسمح للباحثين بإعادة تركيب جانب من الحياة التي عاشها سكان رشيد قبل مئات السنين.

ولهذا فإن ترميم البيت الأثري لا يعني الحفاظ على الحجارة والأخشاب فقط؛ بل يعني الحفاظ على قصة الإنسان الذي عاش خلفها.

رشيد.. عندما تتحول العمارة إلى ذاكرة

ما يميز رشيد أن تراثها المدني لا يعتمد على مبنى واحد منفصل، وإنما على مجموعة من المنازل التاريخية التي ما زالت تحمل أسماء أصحابها وتكشف من خلال تخطيطها وزخارفها عن مجتمع كامل.

فالمدينة التي تضم 22 منزلًا أثريًا تقدم نموذجًا مختلفًا للسياحة الثقافية؛ يمكن للزائر أن يسير في الشوارع القديمة، وينتقل من بيت إلى آخر، ويقرأ أسماء أصحابها، ثم يحاول تخيل الحياة التي دارت داخلها قبل قرنين أو ثلاثة. 

وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما في هذه البيوت أنها لم تحفظ التاريخ في الكتب فقط، وإنما حفظته في تفاصيل الحياة اليومية.

فخلف كل باب اسم، وخلف كل اسم عائلة، وخلف كل عائلة حكاية، وخلف كل حكاية بيت ظل واقفًا رغم رحيل أصحابه.

وهكذا، حين يقف الزائر أمام منزل الأمصيلي أو عصفور أو حسيبة غزال، فإنه لا يقف أمام جدران صامتة، بل أمام ذاكرة مدينة كاملة؛ مدينة ترك سكانها أسماءهم على البيوت، وتركوا للزمن مهمة أن يحكي قصتهم.

 

تم نسخ الرابط