رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

مصر والصين تحتفيان بـ70عامًا من العلاقات.. التراث يلتقي بالإبداع بمتحف الحضارة

Go Egypia

 

 يلتقي تراث هانغتشو الصينية بالحضارة المصرية في مناسبة تتجاوز حدود العرض المتحفي في قلب القاهرة، وبين جدران المتحف القومي للحضارة المصرية، لتتحول إلى مساحة للحوار الثقافي وتبادل الخبرات، بالتزامن مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين.

وفي هذا السياق، افتتح المتحف، اليوم الأربعاء، معرض «CREATE HANGZHOU 2026 – الابتكار في الحرف التقليدية لمدينة هانغتشو الصينية»، في فعالية تسلط الضوء على جانب من التراث الثقافي غير المادي للصين، وتقدم للجمهور المصري نماذج من الفنون والحرف التقليدية التي ارتبطت بمدينة هانغتشو، إحدى أبرز المدن الثقافية والإبداعية في الصين.

من هانغتشو إلى القاهرة.. التراث يعبر الحدود

May be an image of text

لم يكن اختيار الحرف التقليدية محورًا للمعرض مجرد احتفاء بفنون قديمة، وإنما يعكس توجهًا نحو تقديم التراث باعتباره لغة قادرة على التواصل بين الشعوب.

ويضم المعرض مجموعة مختارة من الأعمال التي تكشف ثراء وتنوع التراث الثقافي لمدينة هانغتشو، من بينها نماذج من فن نحت الأختام الصينية، ومنتجات إبداعية مستوحاة من عناصر التراث الثقافي غير المادي، إلى جانب أعمال من فن قص الورق في تونغلو.

وتمنح هذه الأعمال الزائر فرصة للتعرف على تفاصيل فنون ربما تبدو بعيدة جغرافيًا عن الثقافة المصرية، لكنها تشترك معها في فكرة أساسية، وهي قدرة الإنسان على تحويل المهارة اليدوية والمعرفة المتوارثة إلى تراث يستمر عبر الأجيال.

معرض لا يكتفي بالمشاهدة

May be an image of one or more people and text that says 'HANGZHOU TRADITIONAL CRAFT INNOVATION EXHIBITION IN EGYPT'

ويستمر المعرض لمدة يومين، ولا يعتمد فقط على عرض الأعمال أمام الجمهور، إذ يتضمن أيضًا ورش عمل تفاعلية تتيح للزائرين التعرف عن قرب على عدد من الفنون والحرف التقليدية الصينية وأساليب تنفيذها.

وهنا يتحول المتحف من مساحة للمشاهدة إلى مساحة للتجربة والتعلم؛ فالزائر لا يرى المنتج النهائي فقط، وإنما يستطيع التعرف على جانب من المهارة التي تقف خلفه، وكيف انتقلت هذه الحرف من جيل إلى آخر حتى وصلت إلى صورتها الحالية.

وتمنح هذه الورش المعرض بعدًا تعليميًا وإبداعيًا، خاصة بالنسبة للشباب والمهتمين بالفنون والتصميم والصناعات الثقافية.

نحت الأختام.. فن يجمع الدقة والهوية

May be an image of one or more people, people studying and text

من أبرز العناصر التي يقدمها المعرض فن نحت الأختام الصينية، وهو أحد الفنون التقليدية التي تقوم على الجمع بين الدقة اليدوية والقيمة الجمالية والرمزية.

وتكشف نماذج هذا الفن عن الطريقة التي يمكن من خلالها لقطعة صغيرة أن تحمل قيمة ثقافية وفنية كبيرة، بما يعكس طبيعة الحرف التقليدية التي لا تعتمد فقط على الجانب الوظيفي، وإنما تحمل معها جزءًا من هوية المجتمع الذي نشأت فيه.

قص الورق.. حرفة تتحول إلى فن

May be an image of cornflower and text

ويقدم المعرض أيضًا نماذج من فن قص الورق في تونغلو، وهو من الفنون التي تعتمد على المهارة والدقة وتحويل خامة بسيطة إلى تصميمات تحمل طابعًا فنيًا وثقافيًا.

ويأتي إدراج هذا الفن ضمن المعرض ليؤكد فكرة أساسية، وهي أن التراث لا يرتبط دائمًا بالقطع الأثرية الضخمة أو المباني التاريخية، وإنما يمكن أن يعيش أيضًا في حرفة يدوية، أو تصميم، أو تقنية تناقلتها الأسر والمجتمعات على مدار أجيال.

متحف الحضارة.. من حفظ التراث إلى الحوار بين الحضارات

ويكتسب تنظيم المعرض داخل المتحف القومي للحضارة المصرية أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي يقوم به المتحف في تقديم الحضارة المصرية بمختلف مراحلها، والانفتاح في الوقت نفسه على التجارب الثقافية العالمية.

وأكد الدكتور الطيب عباس، الرئيس التنفيذي لهيئة المتحف القومي للحضارة المصرية، أن استضافة معرض «CREATE HANGZHOU 2026» تأتي في إطار دور المتحف في تعزيز الحوار والتبادل الثقافي بين الحضارات.

وأشار إلى أن المعرض يمثل نموذجًا للتعاون الثقافي بين مصر والصين، ويجسد رسالة المتحف باعتباره جسرًا للتواصل بين الحضارات ومنصة لبناء وتعزيز الشراكات الدولية القائمة على المعرفة والحوار والإبداع.

70 عامًا من العلاقات.. والثقافة في قلب المشهد

وتأتي الفعالية بالتزامن مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، وهي مناسبة تمنح المعرض دلالة أوسع من مجرد احتفال بفنون مدينة صينية.

فالعلاقات بين البلدين شهدت على مدار عقود تعاونًا في مجالات متعددة، بينما تظل الثقافة واحدة من المساحات القادرة على الوصول إلى الجمهور بصورة مباشرة، من خلال الفنون والتراث والمتاحف والصناعات الإبداعية.

ومن هذا المنطلق، يمثل المعرض وسيلة لإعادة تقديم العلاقات المصرية الصينية من زاوية إنسانية وثقافية، يكون فيها التراث نقطة التقاء بين مجتمعين يمتلك كل منهما تاريخًا حضاريًا طويلًا.

هانغتشو.. مدينة تقدم تراثها بصورة عصرية

ولا يركز المعرض على عرض الحرف بوصفها موروثًا من الماضي فقط، وإنما يبرز كذلك فكرة الابتكار في الحرف التقليدية، وهو ما يظهر بوضوح في عنوان المعرض نفسه.

وتحاول الصناعات الثقافية والإبداعية المعاصرة تقديم التراث بأساليب يمكن أن تصل إلى الأجيال الجديدة، دون أن تفقده جذوره وهويته.

وهذه المعادلة تمثل تحديًا مشتركًا أمام المؤسسات الثقافية في مختلف أنحاء العالم: كيف يمكن الحفاظ على الحرفة القديمة، وفي الوقت نفسه تحويلها إلى منتج قادر على الاستمرار والتطور في العصر الحديث؟

التراث كصناعة إبداعية

يفتح المعرض كذلك بابًا للحديث عن العلاقة بين التراث والصناعات الإبداعية.

فالحرفة التقليدية يمكن أن تتحول إلى مصدر للإلهام في التصميم والفنون والمنتجات الثقافية، وهو ما يسمح بإعادة توظيف التراث بدلًا من بقائه محصورًا في المتاحف أو المناسبات التراثية.

ومن هنا، فإن تجربة هانغتشو المعروضة أمام الجمهور المصري تقدم نموذجًا لكيفية الجمع بين الموروث الثقافي والابتكار والإبداع، وهي مجالات يمكن أن تشكل مستقبلًا فرصًا أوسع للتعاون بين المؤسسات الثقافية في البلدين.

خبرات مشتركة بين المتخصصين

ولا يقتصر أثر المعرض على الجمهور، وإنما يمتد إلى المتخصصين والعاملين في مجالات الثقافة والتراث والمتاحف.

وأكد الجانب المصري أن تنظيم هذه الفعاليات يفتح آفاقًا جديدة لتبادل الخبرات والمعارف، ويعزز التواصل بين المتخصصين والمؤسسات الثقافية في البلدين.

ويمنح ذلك الفعاليات الثقافية المشتركة فرصة للتحول إلى منصة للتعاون طويل الأمد، بدلًا من أن تكون مجرد حدث مؤقت ينتهي بانتهاء أيام المعرض.

الصين ترى في التراث لغة مشتركة

من جانبه، أعرب يو شين بينغ، مدير مركز هانغتشو لتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية، عن سعادته بإقامة المعرض في المتحف القومي للحضارة المصرية، مؤكدًا أنه يمثل فرصة لتعريف الجمهور المصري بثراء التراث والحرف التقليدية التي تتميز بها هانغتشو.

وأشار إلى أن التراث والحرف التقليدية يمكن أن يمثلَا لغة مشتركة وجسرًا للتواصل بين الشعوب والثقافات، معربًا عن تطلعه إلى تعزيز التعاون الثقافي والإبداعي بين مصر والصين خلال الفترة المقبلة.

ما الذي يمكن أن يبقى بعد انتهاء المعرض؟

ربما تكون القيمة الأهم للمعرض فيما يتجاوز يوميه؛ فالأعمال المعروضة ستختفي من قاعات العرض بعد انتهاء الفعالية، لكن المعرفة التي انتقلت إلى الزائر، والتجربة التي عاشها خلال الورش، والاهتمام الذي أثارته الحرف الصينية، يمكن أن تمتد لفترة أطول.

كما أن مثل هذه الفعاليات تفتح المجال أمام مشروعات جديدة في مجالات المتاحف والتعليم الثقافي والتصميم والحرف والصناعات الإبداعية، بما يعزز حضور الثقافة كأحد مسارات التعاون بين مصر والصين.

عندما يصبح التراث جسرًا بين القاهرة وهانغتشو

من القاهرة إلى هانغتشو، لا تبدو المسافة الجغرافية عائقًا أمام لقاء الحضارات؛ فالحرفة التي صنعها الإنسان بيده يمكن أن تحمل قصة شعب كامل، والفن التقليدي يستطيع أن يصل إلى جمهور لم يعرف تفاصيله من قبل.

وهنا تكمن أهمية «CREATE HANGZHOU 2026»؛ فالمعرض لا يقدم للجمهور المصري مجموعة من المنتجات الصينية فحسب، وإنما يقدم صورة عن مجتمع يحاول الحفاظ على ذاكرته الثقافية، وفي الوقت نفسه يمنحها فرصة جديدة للحياة من خلال الابتكار.

وبينما تحتفل مصر والصين بمرور 70 عامًا على العلاقات الدبلوماسية، تأتي الحرف التقليدية لتؤكد أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط عبر الاتفاقيات والمصالح المشتركة، وإنما أيضًا عبر المعرفة والفن والفضول الإنساني والرغبة في اكتشاف ثقافة الآخر.

وفي رحاب متحف الحضارة، تتحول هذه الفكرة إلى مشهد ملموس: تراث هانغتشو في القاهرة، وحوار بين حضارتين، ورسالة بأن ما تصنعه يد الإنسان يمكن أن يصبح جسرًا يعبر آلاف الكيلومترات ويصل بين شعبين وثقافتين.

تم نسخ الرابط