رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

قناع بسوسنس الأول.. تقنيات مذهلة استخدمها المصري القديم لصناعة القناع

قناع بسوسنس الأول
قناع بسوسنس الأول

بين كنوز الحضارة المصرية القديمة، يبرز قناع الملك بسوسنس الأول كواحد من أروع نماذج صياغة الذهب التي تعود إلى العصر الانتقالي الثالث، وتحديدا عصر الأسرة الحادية والعشرين.

ويكشف القناع، المعروض في المتحف المصري بالقاهرة، عن مستوى استثنائي من الدقة والمهارة التي بلغها الفنان والصائغ المصري القديم في تشكيل المعادن النفيسة وتطعيمها بالأحجار والمواد الملونة.

ولا تقتصر قيمة القناع على جماله الفني، إذ يحمل تفاصيل ورموزا دينية وملكية تعكس تصور المصري القديم للملك ومكانته وعلاقته بالعالم الإلهي والحياة الأبدية.

الذهب واللازورد.. تفاصيل صنعت تحفة ملكية

صنع قناع بسوسنس الأول من الذهب، وزين بتطعيمات دقيقة من اللازورد ومعجون الزجاج الملون، ويبلغ ارتفاعه نحو 48 سنتيمترا، بينما يصل عرضه إلى نحو 38 سنتيمترا.

ويصور القناع وجه الملك بملامح مثالية، في إشارة إلى الصورة التي أراد المصري القديم أن يحافظ عليها للملك في العالم الآخر. 

ويرتدي بسوسنس الأول غطاء الرأس الملكي المعروف باسم "النمس"، الذي يتصدره رمز الحماية الملكية المتمثل في الكوبرا المقدسة "الأوريوس".

وتتدلى أسفل ذقن الملك اللحية الملكية المستعارة المضفرة، وهي أحد الرموز المرتبطة بالملكية والهيئة الإلهية للملك، بما يعكس مكانته الرفيعة واستمراره في الحياة الأبدية وفقا للمعتقدات المصرية القديمة.

عيون نابضة بالحياة ودقة مذهلة

تكشف تفاصيل القناع عن براعة الصائغ المصري القديم وقدرته على التعامل مع الذهب والمواد المختلفة بدقة كبيرة.

ورصعت العيون والحواجب والأشرطة المثبتة للحية بمعجون زجاجي باللونين الأزرق والأبيض، فيما صنعت العيون من مواد حجرية باللونين الأسود والأبيض.

وساهم هذا التباين في الألوان والخامات في منح وجه الملك مظهرا نابضا بالحياة، كما أضفى على القناع بعدا جماليا يتجاوز مجرد كونه جزءا من التجهيزات الجنائزية للملك.

وتوضح هذه التفاصيل أن صناعة القناع لم تكن مجرد عملية فنية، وإنما كانت عملا دقيقا يجمع بين المهارة الحرفية والرمزية الدينية والوظيفة الجنائزية.

قصة اكتشاف قناع بسوسنس الأول

اكتشف قناع بسوسنس الأول عام 1940 على يد عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه، خلال أعمال التنقيب داخل مقبرة الملك بسوسنس الأول في تانيس بمنطقة الدلتا الشرقية.

واكتسب اكتشاف المقبرة أهمية استثنائية، بعدما عثر على محتوياتها في حالة حفظ متميزة نسبيا، ولم تكن قد تعرضت للنهب، وهو أمر نادر للغاية بالنسبة للمقابر الملكية المصرية القديمة.

وأسهمت حالة المقبرة ومحتوياتها في الكشف عن جانب مهم من حياة ومعتقدات وطقوس دفن ملوك الأسرة الحادية والعشرين، كما أظهرت المستوى المتقدم الذي وصلت إليه صناعة الحلي والأقنعة الملكية في تلك الفترة.

لماذا لم يحظ اكتشاف المقبرة بشهرة توت عنخ آمون؟

على الرغم من أهمية اكتشاف مقبرة بسوسنس الأول وروعة الكنوز التي عثر عليها بداخلها، فإن القصة لم تحظ بنفس الشهرة العالمية التي صاحبت اكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون.

ويرتبط ذلك إلى حد كبير بالظروف التاريخية التي أحاطت باكتشاف المقبرة، وفي مقدمتها اندلاع الحرب العالمية الثانية، التي ألقت بظلالها على الاهتمام الإعلامي والعلمي العالمي بالاكتشاف.

وبذلك ظل كنز بسوسنس الأول أقل حضورا في الذاكرة الجماهيرية العالمية، رغم القيمة التاريخية والفنية الكبيرة التي تمثلها المقبرة ومقتنياتها.

ماذا يعني الذهب في الحضارة المصرية القديمة؟

لم يكن استخدام الذهب في الأقنعة الملكية اختيارا جماليا فقط، بل حمل دلالات دينية عميقة لدى المصري القديم.

فقد ارتبط الذهب في الفكر المصري القديم بالآلهة وبفكرة الخلود وعدم الفناء، وهو ما جعله من أهم المواد المستخدمة في تجهيزات الملوك الجنائزية.

ومن هذا المنطلق، يجمع قناع بسوسنس الأول بين المادة والرمز؛ فالذهب يعبر عن الخلود، بينما تعكس ملامح الملك المثالية ورموز الحماية الملكية مكانته واستمراره في الحياة الأبدية.

قناع بسوسنس الأول.. شاهد على عبقرية المصري القديم

يمثل قناع بسوسنس الأول أكثر من مجرد قطعة أثرية ثمينة معروضة في المتحف المصري بالقاهرة، فهو وثيقة فنية ودينية تكشف جانبا من نظرة المصري القديم إلى الملك والموت والحياة الأخرى.

كما يقدم القناع نموذجا واضحا للقدرات التي امتلكها الصاغة والفنانون المصريون القدماء في التعامل مع الذهب والأحجار ومعجون الزجاج، وتحويل هذه المواد إلى عمل فني يجمع بين الدقة والجمال والرمزية.

وبعد آلاف السنين، لا يزال قناع بسوسنس الأول قادرا على جذب الأنظار بتفاصيله الذهبية وألوانه الدقيقة، ليبقى واحدا من الشواهد البارزة على براعة الحضارة المصرية القديمة في فنون الذهب وصناعة الأقنعة الجنائزية.

تم نسخ الرابط