لغز الفراغ الكبير في هرم خوفو.. اكتشاف حديث يكشف سرا من مصر القديمة
لا تزال الحضارة المصرية القديمة تكشف عن أسرار جديدة بعد آلاف السنين، فمع تطور أدوات البحث العلمي، لم يعد اكتشاف ما تخفيه الأهرامات والمواقع الأثرية مرهونا بتحريك الأحجار أو إجراء عمليات حفر واسعة.
ومن داخل هرم خوفو إلى أطلال مدينة كاملة من عصر الدولة الحديثة، ساعدت تقنيات حديثة في الوصول إلى معلومات جديدة تعيد رسم صورة الحياة والبناء في مصر القديمة.
الميونات تكشف ما تخفيه أهرامات مصر
منذ عام 2015، يعمل مشروع ScanPyramids على استكشاف أهرامات مصر باستخدام مجموعة من التقنيات العلمية الحديثة، من بينها التصوير المقطعي بالميونات الكونية، والتصوير الحراري بالأشعة تحت الحمراء، والمسح بالليزر، وذلك دون الحاجة إلى تحريك حجر واحد من أحجار الأهرامات.
وتعتمد إحدى أهم التقنيات المستخدمة في المشروع على الميونات الكونية، وهي جسيمات تخترق الغلاف الجوي للأرض وتستطيع اختراق الصخور والمواد الصلبة، ومن خلال قياس عدد الميونات التي تمر عبر أجزاء مختلفة من الهيكل، يستطيع الباحثون تحديد المناطق التي تحتوي على فراغات داخلية، حتى وإن كانت هذه الفراغات مخفية خلف كتل حجرية ضخمة.
وأتاح هذا الأسلوب للعلماء النظر إلى داخل هرم خوفو بطريقة غير تقليدية، والحصول على مؤشرات عن وجود مساحات لم تكن معروفة من قبل، دون اللجوء إلى أعمال حفر قد تؤثر في البناء الأثري.
ما هو الفراغ الكبير داخل هرم خوفو؟
في عام 2017، أكدت ثلاثة فرق بحث مستقلة، وباستخدام تقنيات مختلفة، وجود ظاهرة واحدة داخل الهرم الأكبر، تمثلت في اكتشاف تجويف كبير أطلق عليه الباحثون اسم "الفراغ الكبير".
وأثار هذا الاكتشاف اهتماما واسعا في الأوساط الأثرية والعلمية، نظرا إلى أن الهرم الأكبر لا يزال يخفي العديد من التفاصيل المعمارية التي لم يتمكن الباحثون من تحديد طبيعتها أو الغرض منها بصورة قاطعة.
ويضاف إلى الفراغ الكبير عنصر منفصل يقع خلف الكتل المتعرجة الموجودة فوق المدخل الشمالي الأصلي للهرم، ووصفت دراسة أجريت عام 2023 هذا العنصر بأنه ممر لا يقل طوله عن 5 أمتار، فيما أشارت صور ودراسات لاحقة إلى احتمال امتداده لمسافة تقترب من تسعة أمتار.
ورغم التقدم في تحديد أبعاد هذه المساحات، لا يزال الغرض الأصلي منها غير محسوم بشكل نهائي. وطرح الباحثون عدة تفسيرات، من بينها احتمال أن تكون لها أدوار إنشائية ساعدت في توزيع الوزن الهائل للهرم، أو أنها تمثل بقايا مرتبطة بمراحل البناء، أو أنها كانت عناصر أغلقت عمدا وفقدت وظيفتها الأصلية مع مرور الزمن.
مدينة نهضة آتون.. مدينة كاملة تظهر من تحت الرمال
لم تقتصر الاكتشافات الحديثة على الأهرامات، ففي عام 2021 أعلنت بعثة أثرية بقيادة عالم الآثار زاهي حواس اكتشاف مستوطنة كبيرة بالقرب من الأقصر، أطلق عليها اسم "نهضة آتون"، وعرفت إعلاميا باسم "المدينة الذهبية المفقودة".
ويعود تاريخ المدينة إلى عهد الملك أمنحتب الثالث في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي خلال فترة مهمة من تاريخ الدولة الحديثة، والمثير في قصة الاكتشاف أن البعثة لم تكن تبحث في الأساس عن مدينة، بل كانت تستهدف العثور على المعبد الجنائزي للملك توت عنخ آمون، قبل أن تقود أعمال التنقيب إلى اكتشاف بقايا المستوطنة.
وتتميز المدينة بحالة حفظ لافتة، إذ لا تزال أحياؤها المبنية من الطوب اللبن تحتفظ بالعديد من تفاصيلها، كما بقيت بعض الجدران قائمة بارتفاع يقترب من 3 أمتار، وهو ما منح الباحثين فرصة نادرة لدراسة جوانب من الحياة اليومية والتنظيم العمراني في مصر القديمة.
ماذا وجد الباحثون داخل المدينة الذهبية المفقودة؟
يكشف الموقع عن صورة أقرب إلى الحياة اليومية والعملية في عصر الدولة الحديثة، بعيدا عن الصورة التقليدية التي تركز على المقابر والمعابد والقصور الملكية.
وعثر المنقبون على مناطق واسعة مخصصة لإنتاج الغذاء، يبدو أنها كانت قادرة على توفير احتياجات أعداد كبيرة من السكان، إلى جانب ورش للعمل ومناطق مخصصة لتشكيل المعادن ومبان إدارية.
كما كشفت أعمال التنقيب عن مجموعة متنوعة من القطع والأدوات، بينها قوالب لصناعة المجوهرات، وأفران للفخار، وأدوات مرتبطة بصناعة النسيج، إضافة إلى الجعارين والخواتم ومجموعة من الأدوات المنزلية المستخدمة في الحياة اليومية.
وتمنح هذه التفاصيل الباحثين فرصة لفهم طبيعة الأنشطة الاقتصادية والحرفية التي كانت تتم داخل المستوطنة، وكذلك التعرف بصورة أكبر على كيفية تنظيم المجتمع والعاملين في المدينة.
أسرار جديدة لا تزال مدفونة
ورغم أهمية ما تم الكشف عنه حتى الآن، فإن جزءا كبيرا من مدينة نهضة آتون لا يزال مدفونا، وهو ما يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة خلال أعمال التنقيب المستقبلية.
ويعتقد الباحثون أن الموقع قد يصبح واحدا من أهم المصادر الأثرية لفهم تفاصيل الحياة اليومية للمصريين في عصر الدولة الحديثة، خاصة أن المدن السكنية القديمة أقل وفرة في الاكتشافات من المقابر والمعابد والمباني الملكية.
وبينما تكشف تقنيات مثل التصوير بالميونات ما تخفيه الكتل الحجرية داخل الأهرامات، تكشف أعمال التنقيب الأثري عن تفاصيل الحياة خلف جدران المدن القديمة.
وفي الحالتين، تؤكد الاكتشافات الحديثة أن كثيرا من أسرار الحضارة المصرية القديمة لا تزال موجودة في انتظار أدوات علمية أكثر تطورا أو طبقات أثرية لم تصل إليها أعمال التنقيب بعد.


