رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

لماذا لا زالت "ذات الرداء الأحمر" تخيف الأطفال بعد أكثر من 300 عام؟

ذات الرداء الأحمر
ذات الرداء الأحمر

رغم مرور أكثر من ثلاثة قرون على تدوينها، ما زالت قصة "ذات الرداء الأحمر" تحتفظ بمكانتها كواحدة من أكثر الحكايات إثارة للخوف والتشويق لدى الأطفال، وبينما تبدلت أساليب التربية وتغيرت وسائل الترفيه، بقي الذئب المتخفي في ثياب الجدة حاضرًا في ذاكرة الأجيال، ليطرح سؤالا مثيرا: ما السر الذي جعل هذه القصة تصمد أمام الزمن وتواصل تأثيرها حتى اليوم؟

من منا لم يشعر في طفولته بالخوف عندما اقتربت "ذات الرداء الأحمر" من منزل جدتها، ليظهر الذئب متخفيًا في ثياب الجدة بعدما عرف طريقها، رغم تحذير والدتها لها من الحديث مع الغرباء؟ ورغم أن الحكاية تروى منذ مئات السنين، فإنها لا تزال قادرة على إثارة التوتر والخوف لدى الأطفال، حتى مع اختلاف الأزمنة وتطور أساليب التربية.

تعود جذور "ذات الرداء الأحمر" إلى حكايات شعبية أوروبية تناقلها الناس شفهيًا عبر قرون، قبل أن يدونها الكاتب الفرنسي شارل بيرو في كتابه الشهير "حكايات أمي الإوزة" عام 1697، والمفاجأة أن هذه النسخة لم تكن مخصصة للأطفال، إذ انتهت نهاية مأساوية يلتهم فيها الذئب الطفلة وجدتها، لتكون القصة بمثابة تحذير أخلاقي من مخاطر الثقة في الغرباء.

وبعد أكثر من قرن، أعاد الأخوان غريم صياغة الحكاية ضمن مجموعتهما الشهيرة من القصص الشعبية، وأضافا شخصية الصياد الذي ينقذ الجدة والطفلة، لتصبح النهاية أقل قسوة وأكثر ملاءمة للأطفال، وهي النسخة التي انتشرت في معظم أنحاء العالم.

وتشير الباحثة ماريا تاتار، المتخصصة في الأدب الشعبي بجامعة هارفارد، إلى أن سر بقاء الحكاية لا يكمن في أحداثها وحدها، وإنما في قدرتها على تحويل مخاوف الإنسان الأساسية إلى قصة بسيطة يفهمها الصغار والكبار على حد سواء.

لماذا يخاف الأطفال من الذئب؟

يرى باحثون في علم النفس أن استمرار تأثير القصة لا يرتبط بالذئب وحده، بل بطريقة بناء التوتر داخل أحداثها، فالطفل يعلم منذ البداية أن الذئب يمثل الخطر، بينما تجهل البطلة الحقيقة، ما يجعله يعيش حالة من الترقب والقلق في انتظار لحظة اكتشافها.

كما أن تنكر الذئب في هيئة الجدة يثير سؤالا عميقا لدى الطفل: هل يمكن أن يبدو الخطر في صورة شخص نثق به؟ وهو سؤال يتجاوز حدود القصة، ليمس أحد أقدم مخاوف الإنسان، وهو صعوبة التمييز بين الأمان والخداع.

هل تؤذي القصص المخيفة الأطفال؟

على عكس الاعتقاد السائد، تشير دراسات في علم نفس النمو إلى أن القصص المخيفة تساعد الأطفال على التعامل مع مشاعر الخوف داخل بيئة آمنة، ويرى عالم النفس برونو بيتلهايم، في كتابه "The Uses of Enchantment"، أن الحكايات الخيالية لا تزرع الخوف في نفوس الأطفال، بل تمنحهم لغة رمزية تساعدهم على فهمه والتغلب عليه.

كما نشرت مجلة "Child Development" أبحاثا تشير إلى أن القصص التي تتضمن صراعا ونهاية واضحة تسهم في تنمية مهارات التنظيم الانفعالي لدى الأطفال، وتعزز فهمهم لعواقب القرارات، وتنمي التعاطف مع الآخرين، خاصة عندما يناقش الآباء أحداث القصة مع أبنائهم بعد الانتهاء منها.

لم تكن "ذات الرداء الأحمر" مجرد قصة عن طفلة وذئب، بل حملت عبر تاريخها رسائل تربوية متعددة، أبرزها الحذر من الغرباء، وعدم الابتعاد عن الطريق الآمن، والاستماع إلى نصائح الكبار، إلى جانب فتح باب الحوار بين الطفل ووالديه حول الخوف والثقة واتخاذ القرار.

ورغم مرور أكثر من 300 عام على ظهورها، لا تزال "ذات الرداء الأحمر" واحدة من أكثر قصص الأطفال قراءة وترجمة واقتباسا في الكتب والأفلام والمسرح، وربما لا يخاف الأطفال من الذئب نفسه بقدر ما يخشون فكرة أن الخطر قد يختبئ خلف وجه مألوف، وهو الدرس الإنساني الذي منح هذه الحكاية قدرة استثنائية على البقاء عبر الأجيال.

تم نسخ الرابط