لوحة داخل لوحة.. شاهد ماذا وجد المرممون تحت طلاء "صباغي النيلة المصريين"
في حدث فني بارز، أعادت مجموعة ميسداغ العريقة في لاهاي لوحة "صباغو النيلة المصريون" (1891) للفنان الأمريكي الشهير جون سينجر سارجنت إلى العرض العام بعد خضوعها لعملية ترميم شاملة ودقيقة.
لم تكتفي عملية الترميم بإعادة الألق للألوان الأصلية فحسب، بل كشفت عن "لوحة سرية" وتكوين خفي لم يكن معروفا من قبل تحت السطح، مما يقدم رؤى إبداعية جديدة حول أسلوب عمل أحد أعظم رسامي الصور الشخصية في العالم، وفقا لما نشره موقع "news.artnet" العالمي.
من هو سارجنت، وما وراء لوحة "الصباغين"؟
تعد هذه اللوحة العمل الوحيد للفنان الأمريكي "سارجنت" في مجموعة عامة هولندية، وتعود قصة رسمها إلى كواليس تاريخية وفنية مميزة:
- توقيت الرسم: استلهم سارجنت هذا المشهد ورسمه بعد رحلة استكشافية قام بها عبر غرب آسيا وشمال أفريقيا بين عامي 1890 و1891.
- البحث عن الإلهام: انطلق الفنان في هذه الرحلة بحثاً عن أفكار وإلهام لتنفيذ لوحاته الجدارية الضخمة التي زينت لاحقاً مكتبة بوسطن العامة.
- الابتعاد عن الاستشراق والواقعية المريرة: بحسب وصف مجموعة ميسداغ، تجنب سارجنت بوضوح تصوير الواقع القاسي والمعاناة اليومية لعمال صباغة النيلة في مصر، مبتعدا في الوقت ذاته عن النزعة الاستشراقية التقليدية التي كانت سائدة في زمانه، ليركز على الجانب الفني والتكويني للمشهد.
تفاصيل اقتناء اللوحة وكواليس تاريخية
تتمتع اللوحة برحلة اقتناء تاريخية فريدة تعكس ذوق جامعي الفنون في ذلك العصر:
- المشتري: اقتنى اللوحة هندريك ويليم ميسداغ (المصرفي الهولندي الذي تحول إلى رسام مناظر بحرية وجامع أعمال فنية شهير) وزوجته الرسامة سينتجي ميسداغ-فان هوتن، في الفترة ما بين عامي 1899 و1902.
- التبرع للدولة: جاء هذا الاقتناء قبل عام واحد من تبرع الزوجين بفيلا لاهاي ومجموعتهما الفنية الكاملة للدولة الهولندية لتصبح متحفا عاما.
- الذوق الفني لآل ميسداغ: فضل الزوجان الأعمال ذات الطابع التخطيطي التي تكشف عن ضربات فرشاة الفنان وأسلوبه العفوي في العمل، وهو ما تميزت به لوحة سارجنت.
- وساطة إيطالية: يُعتقد أن الرسام الإيطالي أنطونيو مانشيني هو من قاد وساطة البيع الناجحة بين آل ميسداغ وسارجنت، خاصة وأن الأخير كان قد رفض في وقت سابق طلبا للشراء من جامع المقتنيات الشهير هنري كلاي فريك.
واتخذت مجموعة ميسداغ قرارا بإزالة اللوحة مؤقتا من العرض بسبب اصفرار طبقة الورنيش العلوية بفعل الزمن، وخلال هذه العملية، استخدم فريق المرممين تقنيات فحص متطورة مثل التصوير المجهري بالأشعة السينية، والتي أسفرت عن مفاجآت فنية مذهلة:
أبرز اكتشافات الفحص بالأشعة السينية:
- تكوين خفي (لوحة تحت اللوحة): كشف التحليل أن سارجنت رسم مشهد الصباغين المصريين فوق لوحة سابقة تحتوي على "زوج من الأرجل" لا تزال تقبع في الطبقات السفلية للعمل.
- الألوان والصبغات: عثر الفريق على مركبات الكوبالت والأزرق البحري في المناطق الزرقاء، بالإضافة إلى الزئبق (العنصر الأساسي في صبغة الزنجفر الحمراء) في الطبقات التحتية، بينما لا يزال الفحص مستمرا للتأكد من استخدامه لنبتة "النيلة الحقيقية".
- لمسة الفنان المباشرة: بعد إزالة الورنيش المتسخ، تفاجأ المرممون بوجود بصمات أصابع واضحة على السطح، مما يثبت أن سارجنت قام بلمس اللوحة وتعديلها بيديه العاريتين وهي لا تزال رطبة قبل جفاف الطلاء.
أنهى الفريق استبدال الطبقات المتغيرة الألوان والترميمات القديمة، وأضافوا طبقة ورنيش جديدة تحمي العمل وتبرز ألوانه الأصلية، لتعود اللوحة إلى قاعة العرض في لاهاي كشاهد حي على عبقرية سارجنت الإبداعية.


