حارس التاريخ.. كيف أنقذ مرسوم محمد علي باشا في 29 يونيو الآثار من النهب؟
تمر اليوم ذكرى قرار تاريخي غير مجرى التعامل مع التراث الإنساني، ففي مثل هذا اليوم 29 يونيو 1835، وضع حاكم مصر محمد علي باشا حجر الأساس لحماية الهوية الوطنية بإصدار أول مرسوم رسمي يحظر تهريب الآثار، لينهي عقودا طويلة استبيحت فيها ثروات مصر التاريخية، وتتحول هذه الخطوة إلى النواة الأولى لتأسيس مصلحة الآثار المصرية وأول متحف لحفظ كنوز الفراعنة.
الهوس الأوروبي وبداية الاستفاقة المصرية
حتى منتصف القرن التاسع عشر، كانت مصر بلا قوانين تحمي تراثها، مما جعل آلاف القطع الفريدة من تماثيل ومجوهرات ونقوش عرضة للنهب والسرقة، والانتقال إلى المجموعات الخاصة والمتاحف في أوروبا، وازداد هذا النزيف حدة عقب الحملة الفرنسية وصدور موسوعة "وصف مصر" التي فجرت هوسا عالميا باقتناء كل ما هو فرعوني.
أمام هذا الوضع، أدرك محمد علي باشا خطورة الموقف وأصدر مرسومه التاريخي الذي قضى بحظر تصدير الآثار المصرية أو الاتجار بها تماما، كما أمر بإنشاء دار لحفظ الآثار في حديقة الأزبكية بالقاهرة كأول متحف وطني، وأسند إدارة المصلحة إلى يوسف ضياء أفندي، تحت إشراف وتوجيه العالم والمفكر رفاعة رافع الطهطاوي.
ورغم قوة القرار، فإن الدبلوماسية في ذلك الوقت شهدت خروج بعض القطع التي اعتاد الحكام إهداءها لملوك ووجهاء أوروبا كنوع من المجاملات السياسية.
رحلة التمصير.. من الإدارة الفرنسية إلى السيادة الكاملة
ظلت مصلحة الآثار لعقود طويلة تحت إدارة علماء آثار فرنسيين، حتى بدأت مرحلة التمصير التاريخية عقب التطورات السياسية في مصر. وفي عام 1953، تولى الدكتور مصطفى عامر منصب أول مدير مصري للمصلحة، لتبدأ صياغة الهوية المصرية للمؤسسة.
ومع جلاء الاحتلال البريطاني عام 1956، تحولت المصلحة إلى هيئة حكومية مصرية خالصة، وتنقلت تبعيتها بين وزارات الأشغال، والتعليم، والإرشاد القومي، حتى استقرت في عام 1960 تحت مظلة وزارة الثقافة لتأخذ طابعا تنظيميا أكثر تخصصا.
محطات التطور.. من مصلحة صغيرة إلى وزارة سيادية
تطورت الهيئة التنظيمية للآثار عبر السنين لتواكب حجم الاكتشافات والتحديات؛ ففي عام 1971 تحولت المصلحة إلى هيئة الآثار المصرية، تلاها صدور قرار جمهوري عام 1994 بتحويلها إلى المجلس الأعلى للآثار ليكون الجهة المسؤولة عن إدارة وحماية المواقع الأثرية، وتولى الدكتور محمد عبد الحليم نور الدين منصب أول أمين عام للمجلس.
ومع مطلع عام 2011، نالت الآثار استقلالا أكبر بالانفصال عن وزارة الثقافة وتأسيس وزارة الدولة لشؤون الآثار، وتولى الدكتور زاهي حواس حقيبتها كأول وزير لها، قبل أن تتحول في عام 2015 إلى وزارة الآثار، ثم أصبحت لاحقا جزءا من وزارة السياحة والآثار الحالية.


