أكثر من 480 ألف قطعة أثرية في خطر، أزمة هيكلية واختراق أمني يهز متحف اللوفر
تحت ظلال الهرم الزجاجي الساحر، وفي أروقة يستقبل فيها متحف اللوفر تسعة ملايين زائر سنويا جاؤوا لتأمل أسرار الموناليزا وتفاصيل الكنوز البشرية، يدور صراع خفي بعيد عن أعين الكاميرات وعدسات السياح، فخلف هذه الواجهات الذهبية البراقة وأمجاد القرون الثمانية الماضية، يرقد واقع مقلق للغاية، بنية تحتية متهالكة تتداعى بصمت، ميزانيات تشغيلية تنزف بشكل حاد، وصدمة اختراق أمني غير مسبوق هزت أركان أثمن صرح ثقافي على وجه الأرض.
هذه المفارقة الصادمة بين البريق الخارجي والانهيار الداخلي، دفعت بالإدارة الجديدة لكسر جدار الصمت وإعلان الاستنفار التاريخي لإنقاذ إرث إنساني بات يواجه تحديات وجودية أمام مرأى ومسمع من العالم.
من حصن عسكري إلى متحف للشعب.. ثمانية قرون من التاريخ
يعود التاريخ الإنشائي لمبنى اللوفر إلى أواخر القرن الثاني عشر، وتحديدا عام 1190، عندما أمر الملك فيليب أوغست ببنائه كحصن عسكري لحماية باريس من الهجمات الخارجية أثناء غيابه في الحروب الصليبية، ومع تطور المدينة وتوسعها، فقد الحصن وظيفته الدفاعية، ليتحول في القرن الرابع عشر تحت حكم الملك شارل الخامس إلى مقر للإقامة الملكية.
شهد المبنى عبر القرون عمليات إعادة بناء وتوسعة واسعة النطاق ليتخذ طرازه النهضوي الشهير، وظل مقرا لملوك فرنسا حتى قرر الملك لويس الرابع عشر نقل الإقامة الملكية إلى قصر فرساي عام 1682، ليصبح اللوفر مقرا للأكاديميات الفنية ومركزا لعرض المجموعات الملكية، وحمل عام 1793 التحول الأبرز في تاريخ الصرح، حيث افتتح رسميا كمتحف عام للجمهور إبان الثورة الفرنسية ليعكس قيم التنوير وإتاحة الفنون للشعب.
نصف مليون قطعة أثرية تواجه خطر الرطوبة وتأجيل الصيانة
بدأ المتحف مسيرته التاريخية بمجموعة متواضعة نسبيا تتألف من 537 لوحة فنية وممتلكات ملكية صادرتها الثورة الفرنسية، وتوسعت هذه المجموعات بشكل مطرد عبر القرون بفضل الغنائم الحربية في العهد النابليوني، والإهداءات، والبعثات الأثرية، وعمليات الشراء الاستراتيجية.
ويمتلك اللوفر اليوم واحدة من أضخم المجموعات الفنية والأثرية في العالم، حيث يتجاوز إجمالي المقتنيات المحفوظة في مخازنه وأروقته 480 ألف قطعة أثرية وفنية، تتوزع بين ثمانية أقسام رئيسية تشمل الآثار المصرية القديمة، والشرقية، واليونانية، والرومانية، بالإضافة إلى المنحوتات واللوحات الفنية العالمية التي تغطي حقبا زمنية تمتد من الحضارات القديمة وحتى منتصف القرن التاسع عشر.
ورغم هذه الهيبة العالمية، إلا أن تأجيل خطط الصيانة الشاملة لسنوات طويلة قاد المؤسسة إلى حالة حرجة من التردي الهيكلي والفني، وكشف عمق الفجوة بين المظهر الخارجي الجاذب والواقع التشغيلي المتأزم داخل قاعات العرض ومكاتب الإدارة التي تعاني من ضغوط تفوق قدرتها الاستيعابية، فضلا عن أنظمة التهوية، ومشاكل تسرب المياه التي بدأت تلوح كخطر داهم يهدد اللوحات والجدران التاريخية.
شهادة صادمة أمام الشيوخ الفرنسي.. وإقالة الإدارة السابقة
وفي خطوة استثنائية لكسر حاجز الصمت، رسم الرئيس والمدير التنفيذي الجديد للمتحف، كريستوف ليريبو، صورة قاتمة وصادمة للوضع الراهن خلال جلسة استماع برلمانية عاجلة عقدتها لجنة الثقافة في مجلس الشيوخ الفرنسي يوم الأربعاء، 17 يونيو.
ولم يتردد ليريبو، الذي لم يمض على توليه منصبه سوى أقل من أربعة أشهر، في إطلاق تحذير مدو أمام المشرعين أعلن فيه بوضوح أن الصرح بات على وشك الانهيار، مؤكدا أن عظمة اللوفر والتفاني اليومي لموظفيه لم يعودا كافيين لحجب حقيقة أن منشآته وبنيته التحتية قد وصلت بالفعل إلى نهاية عمرها الافتراضي.
ولم تكن التهديدات الإنشائية وحدها سبب هذا الاستنفار، بل جاءت تصريحات رئيس المتحف لتفتح ملف واحدة من أكثر الحوادث إيلاما وهزة في تاريخ اللوفر الحديث، وهي عملية السطو التاريخية التي وقعت في أكتوبر الماضي وأسفرت عن سرقة أجزاء من جواهر التاج البريطاني.
كشفت هذه الصدمة الأمنية عن ثغرات خطيرة وغير معالجة في أنظمة الحماية والمراقبة المتهالكة، مما أدى إلى تداعيات إدارية عاصفة بلغت ذروتها بإنهاء ولاية الرئيسة السابقة، لورانس دي كار، التي قدت المؤسسة على مدار خمس سنوات ركزت فيها الاستثمارات على الجوانب الجمالية دون الالتفات للمخاطر الأمنية والهيكلية.
مشروع النهضة الجديدة.. مليار يورو وقاعة مستقلة للموناليزا
تعول الإدارة الجديدة اليوم على مشروع إنقاذ ضخم وشامل يحمل اسم "نهضة اللوفر الجديدة"، ويهدف هذا المشروع الاستراتيجي إلى تحديث البنية التحتية بالكامل وتأمين القاعات بشكل جذري، بكلفة مالية باهظة تتجاوز مليار يورو.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد أعلن عن هذا المشروع الطموح مطلع عام 2025، حيث يتضمن المخطط إنشاء مدخل إضافي من شأنه استيعاب زيادة في تدفق الزوار بمقدار ثلاثة ملايين زائر سنويا، بالإضافة إلى تخصيص مساحة عرض مستقلة تبلغ 33 ألف قدم مربع لعرض لوحة "الموناليزا" الشهيرة للفنان ليوناردو دا فينشي، مما يضع الدولة وإدارة المتحف أمام اختبار حقيقي لتدبير التمويل اللازم وإنقاذ هذا الإرث الإنساني وتطويره للأجيال القادمة.



