رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بعد الاكتشافات الجديدة.. أسرار لا تعرفها عن ميناء عيذاب الأثري معبر الحجاج

اكتشاف جديد بميناء
اكتشاف جديد بميناء عيذاب

ميناء عيذاب.. يقع على البحر الأحمر فى أملاك الدولة المصرية يقابلها من الغرب على النيل بلدة أبو سمبل، ومن جهة الشرق من الجزيرة العربية بلدة رابغ شمال ثغر جدة وعلى بعد 130كم منها، وقرب عيذاب تقع منزلة حميثرى التى توفى فيها ولى الله الشيخ أبو الحسن الشاذلى قطب الطريقة الشاذلية عام (656هـ / 1258م) عند سفره إلى الحج فى طريقه إلى عيذاب بقرب الحد الفاصل بين مصر والسودان فى الجنوب الغربى لعيذاب وعلى بعد 140كم منها

اكتشاف صهاريج المياه الضخمة الأثرية بموقع ميناء عيذاب

وفي هذا الصدد، كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار والعاملة بموقع ميناء عيذاب الأثري بمنطقة حلايب على ساحل البحر الأحمر عن مجموعة من صهاريج المياه الضخمة إلى جانب عدد من المباني والمنشآت الخدمية، في اكتشاف أثري جديد يُلقي الضوء على البنية التحتية لميناء عيذاب أحد أبرز وأهم الموانئ المصرية خلال العصور الإسلامية.

كشفت البعثة أيضًا عن بقايا أساسات مبانٍ سكنية وأبراج مراقبة ومنشآت خدمية بما يشير إلى وجود منظومة متكاملة لإدارة الميناء وتلبية احتياجات الحجاج والتجار الذين توافدوا عليه عبر قرون طويلة، كما عثرت البعثة على مجموعة من اللقى الأثرية المهمة من بينها كسر فخارية تعود إلى العصر الفاطمي بعضها مطلي باللون الأخضر إلى جانب شظايا من الخزف الصيني المستورد

علاقات تجارية بموقع ميناء عيذاب الأثري

كشفت البعثة عن قطع من الخزف الأخضر أرجح أنه سيلادون صينى أو تقليد الصينى وهو نوع من الخزف ارتبط بالبلاط الإمبراطوري الصيني ويشبه لونها اليشم الذي كان تقليديًا أثمن المواد في الصين فى عهد أسرة يوان وانتشر تقليد السيلادون الصينى فى مصر فى العصر المملوكى نتيجة التأثر بالمنتجات الخزفية الصينية فى تلك الفترة ويرجع إعجاب الناس بهذا النوع إلى عجينته النظيفة مما يفسر إقبالهم على شرائه فى أسواق القاهرة والفسطاط وعثر على هذا النوع من الخزف أيضًا فى الميناء المملوكى بطور سيناء مما يؤكد العلاقات التجارية بين مصر والصين وبلدان جنوب شرق آسيا فى تلك الفترة.

الأحجار المرجانية

دخلت فى بناء المبانى المكتشفة فى عيذاب اليوم نوع من الأحجار ” الأحجار المرجانية” تكونت من مواد بحرية من قواقع وترسيبات بحرية شكلها غير منتظم ولكن تتمتع بصلابة وقوة واستخدمت فى معظم المبانى المطلة على البحر الأحمر فى مصر مثل ميناء الأنباط بدهب وميناء الطور المملوكى

ووجدت بعيذاب آثار من عصر البطالمة من تماثيل صغيرة عليها كتابات يونانية، وكان سكانها من قبائل البجة يبنون بيوتًا وعشش لإنزال الحجاج وهى المرسى الوحيد لكل من أراد الحج من أهل أفريقيا وكانت المراكب القادمة من الشرق بطريق البحر الأحمر تمر على عدن ثم عيذاب حيث تنقل منها البضائع بالجمال إلى قوص ومنها إلى المدن المصرية فى النيل إلى القاهرة وبعد اتخاذ الحجاج المصريين طريق طور سيناء إلى الحرمين الشريفين ضعفت حركة عيذاب الاقتصادية والاجتماعية حتى قضى عليها ملك النوبة داود عام (760هـ / 1358م)

عيذاب ميناء تجارى دينى وحربى

موقع ميناء عيذاب أهله للقيام بوظائفه التجارية والدينية والسياسية والحربية، فقد كان موقعه موانئ تاريخية متعاقبة قبل قيام عيذاب منها الموانئ البطلمية ميوس هورمس (أبو شعر القبلى) وبرنيقة (الهراس) ومعنى هذا أن هذه المنطقة لها خصائص معينة تجعلها مؤهلة لقيام الموانئ على جانبى البحر الأحمر على نحو ما شهد الجانب الغربى من الموانئ البطلمية، أمّا الجانب الشرقى فقد شهد قيام ميناء الشعيبة التى كانت ساحل مكة قبل الإسلام ثم ظهر ميناء جدة عام 26هـ فى خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه ، والسبب المباشر لقيام هذه الموانئ يرجع إلى سيادة الرياح الشمالية فى النصف الشمالى من البحر الأحمر التى تهب طوال العام.

وكان لعيذاب علاقات تجارية مع ميناء جدة والذى زاد من فاعليتها اتخاذ طريق عيذاب – جدة مسارًا لقوافل الحج القادمة عبر الأراضى المصرية، كما كان للميناء دور فى التجارة العالمية العابرة بين الشرق والغرب فى العصر الإسلامى حيث كانت السفن المحملة بسلع الشرق الأقصى وعالم المحيط الهندى بجانبيه الإفريقى والعربى تنتهى إلى عيذاب بمعرفة تجار الكارم الذين قاموا بنقل التوابل والزعفران وغير ذلك من منتجات الشرق إلى دول الغرب عبر الأراضى المصرية

ازدهار ميناء عيذاب

انطلق ازدهار ميناء عيذاب من عاملين رئيسيين وهما نشاط الصليبيين فى بلاد الشام ونشأة إمارات لهم مما أدى لتهديد طرق القوافل عبر سيناء فتحولت إلى عيذاب وقد توقف درب الحاج المصرى عبر سيناء زمن الحروب الصليبية طوال فترة لا تقل عن قرنين من الزمان من (450هـ – 666هـ / 1058- 1267م)، كما نتج عن الشدة فى عهد المستنصر بالله (469هـ / 1076م) تخريب دلتا مصر وتدهور إنتاجها فتحول طريق القوافل الواردة من البلاد الواقعة غرب مصر إلى عيذاب بطريق قفط وظلت عيذاب مشهورة 215 عام فى خدمة التجارة والحج ، وكانت بمثابة رأس الجسر حيث تتجمع عندها كل تجارة آسيا وشرق أفريقيا وتمر عن طريقها إلى حوض البحر المتوسط وقد تحولت عيذاب إلى مركز لبناء وصناعة السفن من الخشب الذى كان يستورد لذلك الغرض.

ويعد عيذاب ميناءً تجاريًا عالميًا نتيجة عدة اعتبارات أهمها حماية الحكومة فى مصر زمن سلاطين المماليك لسفن الكارم وحرصها على تيسير انتقالهم عبر الأراضى المصرية وصولاً إلى مدينة قوص فالعاصمة ومنها إلى ميناء الإسكندرية ولم يقتصر الواصل من السلع إلى عيذاب على ما كان يأتى من جدة بل كانت السفن القادمة من اليمن ودول المحيط الهندى تصل إلى عيذاب، وقد اهتم سلاطين المماليك بتخصيص أسطول بعيذاب لتلقى تجار الكارم فيما بين عيذاب وسواكن وما حولها لحمايتهم، وكانت عيذاب ضمن ثغور مصر ورباطاتها الساحلية ومن ثم فقد كانت معدة لحماية حدود مصر الجنوبية الشرقية بما فيها من جند وسلاح مما يعطى للقائمين على التجارة العابرة قدرًا من الأمان والحماية

ميناء آمن من الخطر

تميز موضع عيذاب بأنه مرفأً طبيعيًا صالح لرسو السفن وإقلاعها دون أن تتعرض لأخطار الملاحة على السفن الشراعية مما كان له أكبر الأثر فى أن يكون من أهم الموانئ المصرية التجارية على البحر الأحمر، وقد قصد عيذاب الرحالة الأندلسى ابن جبير عام (579هـ/1183م) وقال عنها (أحفل مراسى الدنيا بسبب أن مراكب الهند واليمن تحط فيها وتقلع منها زائدًا عن مراكب الحجاج الصادرة والواردة وقد أشار وهو فى طريقه لعيذاب إلى كثافة الحركة التجارية ممثلة فى القوافل الواردة والصادرة لاسيما القوافل العيذابية المحملة بسلع الهند الواصلة إلى اليمن ثم من اليمن إلى عيذاب وكان أكثر ما شاهد من التوابل الفلفل الأسود حتى خيل إليه من كثرته أنه يوازى التراب قيمة.

وأخذت أهمية عيذاب فى الانحدار بعد عام (660هـ / 1261م) وبدأ مينائى الطور والسويس يحلان محلهما وأخذت القوافل الكارمية البحرية تتجه من عدن إلى الطور أو السويس ثم تنقل قوافلهم البرية حمولات تلك السفن عبر طور سيناء والشرقية إلى القاهرة ومنها بالنيل أو البر إلى الإسكندرية ومنها إلى أوروبا

تم نسخ الرابط