بسبب الوقود.. ألمانيا تخفض رحلات الطيران إلى الشرق الأوسط
انضمت ألمانيا إلى المملكة المتحدة وفرنسا وهولندا وفنلندا وبولندا في موجة واسعة من الإجراءات التي اتخذتها شركات الطيران الأوروبية الكبرى لتعليق وتقليص رحلاتها إلى الشرق الأوسط وآسيا، وسط تصاعد أزمة الوقود وإغلاق أجزاء من المجال الجوي نتيجة التوترات الجيوسياسية المتفاقمة في المنطقة.
وتسببت الأزمة في اضطرابات واسعة بجداول الرحلات الجوية، ووضعت ملايين المسافرين أمام حالة من عدم اليقين، مع ارتفاع حاد في أسعار وقود الطائرات وتزايد صعوبة تشغيل الرحلات عبر الممرات الجوية التقليدية. وأكدت شركات الطيران أن ارتفاع تكاليف الوقود والقيود المفروضة على المجال الجوي شكّلا العاملين الرئيسيين وراء قرارات التعليق والتقليص.
وتعود جذور الأزمة إلى فبراير 2026، عندما أدى تصاعد الصراع في الشرق الأوسط إلى شبه إغلاق لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم، والمسؤول عن نقل نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.
ووفق تقديرات قطاع الطيران، انهارت حركة ناقلات النفط عبر المضيق بنسبة وصلت إلى 80%، ما تسبب في اضطراب حاد بإمدادات وقود الطائرات المتجهة إلى أوروبا.
وتعتمد القارة الأوروبية على الخليج العربي لتأمين ما بين 25% و33% من احتياجاتها من وقود الطائرات، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع كبير في علاوات مخاطر الحرب، وإجبار شحنات الوقود على اتخاذ طرق أطول عبر رأس الرجاء الصالح، ما زاد من التكاليف التشغيلية وأطال أوقات التوريد.
وحذرت تحليلات صادرة عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي “إياتا” من أن الأزمة الحالية تكشف هشاشة أمن وقود الطيران الأوروبي، مؤكدة الحاجة إلى إنشاء احتياطيات استراتيجية وتنويع مصادر الوقود لتفادي أزمات مشابهة مستقبلًا.
وفي محاولة لاحتواء التداعيات، أصدرت المفوضية الأوروبية مطلع مايو 2026 توجيهات طارئة لشركات الطيران، أوضحت فيها إمكانية إعفاء الشركات من قاعدة زيادة احتياطيات الوقود بنسبة 90% عندما تتطلب اعتبارات السلامة ذلك.
وفي الوقت نفسه، شددت المفوضية على استمرار حقوق المسافرين في استرداد الأموال أو إعادة الحجز أو الحصول على المساعدة، مؤكدة أن ارتفاع تكاليف الوقود لا يُعد “ظرفًا استثنائيًا” يعفي شركات الطيران من التزاماتها القانونية تجاه الركاب.
كما حظرت المفوضية فرض رسوم وقود إضافية بأثر رجعي، في خطوة تهدف إلى حماية المسافرين من الزيادات المفاجئة في التكاليف، مع منح شركات الطيران هامشًا أكبر للتعامل مع الضغوط التشغيلية الحالية.
وفي ألمانيا، اتخذت مجموعة لوفتهانزا إجراءات واسعة لخفض استهلاك الوقود، إذ أعلنت في 21 أبريل 2026 إلغاء 20 ألف رحلة قصيرة المدى حتى أكتوبر المقبل، بما يعادل نحو 1% من إجمالي السعة التشغيلية للمجموعة.
وتركزت التخفيضات على الخطوط الأقل ربحية انطلاقًا من فرانكفورت وميونيخ، بهدف توفير أكثر من 40 ألف طن متري من وقود الطائرات.
وأكدت لوفتهانزا أن أسعار الوقود تضاعفت منذ اندلاع الأزمة الإيرانية، مشيرة إلى أن إعادة دمج الرحلات عبر مراكزها الرئيسية في فرانكفورت وميونيخ وزيورخ وفيينا وبروكسل وروما ستساعد على الحفاظ على استمرارية الرحلات الطويلة المدى وتقليل الضغوط التشغيلية.
وبالتوازي مع تخفيض الرحلات، علّقت لوفتهانزا خدماتها إلى عدد من مدن الشرق الأوسط، من بينها أبوظبي وعمّان وبيروت والدمام والرياض وأربيل ومسقط وطهران حتى 24 أكتوبر 2026 على الأقل.
كما أوقفت شركة يورووينجز رحلاتها إلى بيروت وأربيل وتل أبيب ودبي وعمّان، مبررة القرار بمخاوف تشغيلية وأمنية، ومؤكدة أن سلامة الركاب والطواقم تأتي على رأس أولوياتها.
وتعرض شركات الطيران المتأثرة على المسافرين خيارات إعادة الحجز أو استرداد كامل قيمة التذاكر وفق سياسات التعامل مع اضطرابات الرحلات، في وقت يتوقع فيه خبراء الصناعة استمرار حالة الاضطراب ما دامت أزمة الوقود وإغلاق المجالات الجوية مستمرة.
ويرى مراقبون أن ما تشهده أوروبا حاليًا يمثل واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الطيران الحديث، إذ تسببت الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة في إعادة رسم خريطة الحركة الجوية بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، مع توقعات باستمرار تأثير الأزمة على قطاع السفر العالمي خلال الأشهر المقبلة.