من دير المدينة إلى العالم: مصر تسجل أول إضراب عمالي في التاريخ
تعود الأنظار إلى واحدة من أقدم الوقائع الإنسانية التي جسّدت مطالب العمال وحقوقهم، حيث سجلت الحضارة المصرية القديمة أول إضراب عمالي موثق في التاريخ، وذلك خلال عهد الملك رمسيس الثالث في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.
من دير المدينة إلى العالم: مصر تسجل أول إضراب عمالي في التاريخ
ويستند هذا الحدث إلى وثيقة تاريخية فريدة تُعرف باسم بردية الإضراب، والمحفوظة حالياً في المتحف المصري بتورينو، والتي دوّنها الكاتب المصري القديم «أمننخت». وتُعد هذه البردية سجلاً دقيقاً لاحتجاجات عمالية اندلعت في العام التاسع والعشرين من حكم الفرعون، واستمرت لعدة أشهر، ما يؤكد أنها لم تكن مجرد واقعة عابرة، بل حركة منظمة ذات طابع نقابي مبكر.
وانطلقت شرارة الإضراب من قرية دير المدينة، المعروفة قديماً باسم «سِت-ماعت» (مكان الحق)، والتي كانت تضم نخبة من الحرفيين والفنانين المسؤولين عن تشييد وتزيين المقابر الملكية في طيبة. وقد تمتع هؤلاء العمال بمكانة خاصة، نظراً لمهاراتهم الدقيقة ودورهم الحيوي في خدمة البلاط الملكي.
وجاءت أسباب الإضراب نتيجة تأخر صرف الأجور، التي كانت تُقدم في صورة جرايات عينية من الحبوب والزيوت والأسماك، في ظل أزمات اقتصادية وإدارية شهدتها البلاد آنذاك. ومع تفاقم الأزمة، نظم العمال مسيرات احتجاجية واتجهوا إلى المعابد الجنائزية، التي كانت تمثل مراكز الإدارة والاقتصاد، وقاموا باقتحام أسوارها والاعتصام داخلها في خطوة تصعيدية غير مسبوقة.
وسجلت البردية صرخة العمال التي عبّرت عن معاناتهم بوضوح، حيث جاء فيها:
"لقد مرّ ثمانية عشر يوماً ونحن نعاني الجوع... لا ثياب، ولا زيوت، ولا أسماك، ولا خضروات... أبلغوا الفرعون حتى تُرد إلينا حقوقنا."
ولم تقتصر مطالب المحتجين على الجوانب المعيشية فقط، بل كشفت الوثيقة عن مستوى متقدم من الوعي المدني، إذ أشار العمال إلى وجود تجاوزات ووقائع فساد، من بينها التعدي على المقابر الملكية في وادي الملوك، بما في ذلك المقابر المرتبطة بأبناء رمسيس الثاني.
ويؤكد خبراء علم علم المصريات أن هذا الحدث يمثل لحظة فارقة في تاريخ العلاقات العمالية، حيث يجسد أول نموذج موثق للاحتجاج السلمي المنظم، ويعكس وعياً مبكراً بقيم العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
وتبقى واقعة إضراب عمال دير المدينة شاهداً حياً على أن الحضارة المصرية القديمة لم تكن فقط رائدة في العمارة والفنون، بل أيضاً سبّاقة في إرساء مفاهيم العدالة والكرامة الإنسانية، التي لا تزال تمثل جوهر النضال العمالي حتى اليوم.

