التوابيت الآدمية.. حين تحوّلت الجدران الخشبية إلى جسد أوزيري يحرس الخلود
تُعد التوابيت الآدمية (Anthropoid Sarcophagi) من أبرز مظاهر التطور الفني والديني في الحضارة المصرية القديمة، حيث ظهرت بوضوح خلال عصر الدولة الوسطى، وبالأخص الأسرة الثانية عشرة، لتجسّد المتوفى في هيئة أوزيرية تحمل رموز الخلود والحماية في العالم الآخر.
التوابيت الآدمية.. حين تحوّلت الجدران الخشبية إلى جسد أوزيري يحرس الخلود
وقد صُنعت هذه التوابيت من خامات متنوعة شملت الخشب، الحجر، الفخار، الصلصال، وأحيانًا المعادن الثمينة، وزُخرفت بمناظر دينية ونصوص من “كتاب الموتى”، إلى جانب التعاويذ السحرية التي كانت تهدف إلى حماية المتوفى خلال رحلته في العالم الآخر وضمان بعثه الأبدي.
ولم تكن هذه التوابيت مجرد أوعية لاحتضان الجسد، بل اعتُبرت “بيتًا للروح (البا)” وتجسيدًا للإله أوزير، إله الموتى والبعث، بما يعكس عمق المعتقدات الجنائزية لدى المصري القديم.
ومن أبرز الأمثلة المرتبطة بهذا النوع من التوابيت تابوت الملكة تاوسرت، آخر ملكات الأسرة التاسعة عشرة وزوجة الملك سيتي الثاني، والتي عُثر على مقبرتها في وادي الملوك (KV14)، قبل أن يُعاد استخدام جزء من مقتنياتها لاحقًا في عصور لاحقة. كما يُذكر تابوتها المكتشف في مقبرة أخرى (KV13) على يد البعثة الألمانية بقيادة عالم الآثار ألتنمولر، والمصنوع من الجرانيت الوردي بوزن يقارب 6 أطنان، والمصمم بدقة مذهلة في الهيئة الأوزيرية للملكة.
ويُعد هذا التابوت نموذجًا فريدًا يجمع بين الفن الجنائزي والرمزية الدينية، حيث تُصوَّر الملكة في وضع أوزيري يسمح لروحها بالتعرف على جسدها، بينما تحيط بها مشاهد المعبودات الحامية وأبناء حورس الأربعة، إلى جانب النصوص الجنائزية التي تضمن الحماية الأبدية.
وتأتي هذه النماذج ضمن المقتنيات التي يبرزها متحف الأقصر للفن المصري القديم، باعتباره أحد أهم المتاحف التي توثق تطور الفكر الجنائزي والفني في مصر القديمة.

