متحف الفن الإسلامي يروي حكاية الكندي رائد علم التشفير
يسلّط متحف الفن الإسلامي بالقاهرة الضوء على واحدة من أروع صفحات الحضارة الإسلامية في مجال العلوم، مستعرضًا إسهامات العالم الموسوعي الكندي، رائد علم تحليل الشفرات ومؤسس أسس التشفير الحديثة.
من الحمام الزاجل إلى فك الشفرات.. متحف الفن الإسلامي يروي حكاية الكندي رائد علم التشفير
ففي القرن التاسع الميلادي، كانت أغلب الرسائل في العالم الإسلامي تُنقل عبر الحمام الزاجل، الأمر الذي استدعى ابتكار وسائل لحماية سرية المراسلات. ومن هنا ظهر علم “التعمية”، حيث يتم استبدال الحروف برموز أو حروف أخرى، بحيث لا يفهم الرسالة إلا من يمتلك مفتاح فكها.
ويُعد الكندي أول من وضع منهجًا علميًا لفك الشفرات، معتمدًا على ما يُعرف بـ“تحليل التكرار”، إذ لاحظ من خلال دراسته للقرآن الكريم أن بعض الحروف تتكرر أكثر من غيرها، فاستغل هذه الملاحظة في تحليل الرسائل المشفرة وكشف رموزها. وقد مثّلت أطروحته في هذا المجال نقطة تحول كبرى، بعدما كان يُعتقد أن الكتابة المشفرة يستحيل فكها.
ولم تتوقف إسهامات الكندي عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل علوم البصريات، ووضع أسس دقيقة لجرعات الأدوية، فضلًا عن تأليفه كتبًا في صناعة العطور والمراهم والمياه المعطرة، ما يعكس موسوعيته وريادته العلمية.
وتشير الدراسات الحديثة، ومن بينها ما أورده الكاتب البريطاني سيمون سينغ في كتابه الصادر عام 1999 حول تاريخ الشفرات، إلى أن الكندي يُعد مبتكر أول طريقة علمية لفك الشفرات، وهو المنهج الذي تطور لاحقًا وأسهم في فك الشفرات العسكرية خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي سياق متصل، يتيح المتحف لزواره فرصة مشاهدة نموذج فريد من كتابة المصحف الشريف على لفافة من القماش، منفذًا بزخارف دقيقة ومنمنمات بديعة داخل جامات محصورة بين خطين من الكتابة الأفقية، في تجسيد فني يعكس تلاقي العلم والفن في الحضارة الإسلامية.
ويؤكد المتحف أن استحضار هذه النماذج العلمية والفنية خلال شهر رمضان يهدف إلى إبراز إسهام العلماء المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية، وترسيخ الوعي بقيمة التراث العلمي الذي لا يزال تأثيره ممتدًا حتى يومنا هذا.

