رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من الفروج إلى فرق الموسيقى.. البيمارستانات الإسلامية نموذج متقدم في الطب

المكان الأثري
المكان الأثري

سلّط متحف الفن الإسلامي بالقاهرة الضوء على جانب مضيء من تاريخ الطب في الحضارة الإسلامية، كاشفًا عن تفاصيل إنسانية وطبية متقدمة ارتبطت بنظام “البيمارستانات” التي مثّلت نقلة نوعية في مفهوم الرعاية الصحية قبل قرون طويلة من تطورها في أوروبا.

 

من الفروج إلى فرق الموسيقى.. البيمارستانات الإسلامية نموذج إنساني متقدم في تاريخ الطب

ويُعد بيمارستان أحمد بن طولون، الذي أُنشئ عام 872م في القاهرة، أول مستشفى ضخم تعليمي في مصر والعالم الإسلامي. وكلمة “بيمارستان” فارسية الأصل تعني “دار المرضى”. وقد تميز هذا الصرح الطبي بنظام دقيق وإنساني؛ إذ كان العلاج مجانيًا بالكامل، وكذلك الطعام والملابس التي تُخصص للمرضى داخل المستشفى، بل وكان يُصرف للمريض عند خروجه الدواء اللازم لاستكمال علاجه في المنزل دون مقابل.

ومن الطريف في لوائح البيمارستان أنه لم يكن يُسمح بانصراف المريض إلا بعد التأكد من تعافيه الكامل، ويُختبر ذلك بقدرته على تناول “فروج ورغيف”. فإذا أكل أُذن له بالخروج، وأُعيدت إليه ثيابه ونفقته التي كانت تُحفظ لدى أمين المارستان منذ دخوله، حيث كان يُستبدل بها ملابس خاصة بالمستشفى طوال فترة علاجه.

كما يُعد بيمارستان أحمد بن طولون أول مستشفى يضم قسمًا مخصصًا للأمراض العقلية، واشتمل على حمّامين منفصلين للرجال والنساء، ونظام داخلي قائم على النظافة والرعاية والمتابعة الطبية الدقيقة حتى تمام الشفاء.

وفي القرن الثالث عشر الميلادي، شهدت القاهرة تأسيس واحد من أعظم مستشفيات العصور الوسطى، وهو البيمارستان المنصوري الذي أنشأه السلطان المنصور قلاوون عام 1284م بشارع المعز. وقد عُرف هذا الصرح الطبي بتقدمه الكبير، إذ ضم أقسامًا متخصصة، من بينها قسم للأمراض النفسية، وكان يشرف عليه كبار الأطباء، ومن أبرزهم الطبيب الشهير ابن النفيس.

وتميّز البيمارستان المنصوري بتوفير العلاج المجاني الكامل، ممولًا من أوقاف مصر، ولم يقتصر الدعم على الدواء والغذاء والكساء، بل كان يُمنح المريض راتبًا عند خروجه تعويضًا له عن فترة انقطاعه عن العمل أثناء العلاج. كما استعان المستشفى بفرق موسيقية لتهدئة المرضى، ووُضعت نافورة مياه بجوار عنابر المرضى النفسيين لبث الطمأنينة عبر صوت خرير الماء، في وقتٍ لم يكن فيه العالم يعترف أصلًا بالأمراض النفسية.

وفي المقابل، لم يظهر في أوروبا مستشفى متخصص في الأمراض العقلية إلا بعد قرون، مثل مستشفى مستشفى بيثلم في لندن، والذي ارتبط اسمه تاريخيًا بممارسات قاسية تجاه المرضى.

ولا يزال جزء من البيمارستان المنصوري قائمًا حتى اليوم في شارع المعز بالقاهرة، ويعمل حاليًا تحت اسم مستشفى رمد قلاوون، شاهدًا على عراقة هذا الإرث الطبي الفريد.

ويتيح متحف الفن الإسلامي لزواره في قاعة الطب مشاهدة نماذج أصلية من الموازين والمكاييل والأدوات الطبية التي استُخدمت في تحضير الأدوية والعقاقير خلال العصور الإسلامية المختلفة، في تأكيد جديد على ريادة الحضارة الإسلامية في مجالات الطب والرعاية الصحية والاهتمام بالإنسان.

تم نسخ الرابط