سلوك المسافرين يتغير: التخطيط المبكر يعيد رسم خريطة السياحة العالمية في 2026
لم يعد السفر قرارًا عفويًا كما كان في السابق، فمع بداية عام 2026 تتشكل ملامح جديدة لسلوك المسافرين حول العالم، يتصدرها التخطيط المبكر للرحلات كأحد أبرز الاتجاهات المؤثرة في صناعة السياحة العالمية، هذا التحول اللافت تصدّر مناقشات وخبراء القطاع على هامش فعاليات معرض FITUR 2026 في العاصمة الإسبانية مدريد، أحد أهم المعارض السياحية الدولية.
من السفر اللحظي إلى التخطيط الاستراتيجي
تشير التقارير الصادرة عن مؤسسات سياحية دولية ومنصات حجز عالمية إلى أن المسافرين باتوا يحجزون رحلاتهم قبل موعد السفر بأكثر من شهرين، مقارنة بفترات أقصر بكثير خلال السنوات الماضية. ويعود هذا التحول إلى عدة عوامل، أبرزها زيادة الطلب على الوجهات السياحية، وارتفاع تكاليف السفر عالميًا، إلى جانب رغبة السائح في ضمان أفضل الخيارات من حيث السعر، الموقع، وجودة الخدمة.
ويرى خبراء أن ما بعد جائحة كورونا غيّر عقلية المسافر، حيث أصبح أكثر حرصًا على التخطيط المسبق لتفادي المفاجآت، سواء المرتبطة بالأسعار أو بتوافر أماكن الإقامة ووسائل النقل.
أدوات رقمية تصنع القرار
لعبت التكنولوجيا دورًا محوريًا في ترسيخ هذا الاتجاه، إذ أتاحت منصات الحجز الذكية وتطبيقات السفر للمسافرين القدرة على مقارنة الأسعار، قراءة تقييمات المستخدمين، واختيار التجارب المناسبة بسهولة غير مسبوقة. كما ساعد الذكاء الاصطناعي في تقديم توصيات مخصصة تلائم اهتمامات كل مسافر، ما عزز من ثقافة التخطيط المدروس.
وتشير بيانات عُرضت في FITUR 2026 إلى أن أكثر من 65% من المسافرين يعتمدون حاليًا على أدوات رقمية متقدمة عند التخطيط لرحلاتهم، مقارنة بنحو 40% فقط قبل خمس سنوات.
التجربة قبل السعر
ومن أبرز التحولات التي رافقت التخطيط المبكر، تراجع أولوية السعر وحده مقابل جودة التجربة. فقد أظهرت الدراسات أن المسافرين أصبحوا أكثر اهتمامًا بالإقامة المميزة، الأنشطة الثقافية، التجارب المحلية الأصيلة، والمرونة في تعديل أو إلغاء الحجوزات.
كما ارتفع الطلب على الوجهات الأقل ازدحامًا، والسياحة الريفية والطبيعية، في محاولة للهروب من الضغط السياحي الذي تعاني منه المدن الكبرى خلال مواسم الذروة.
تحدي وفرصة أمام شركات الطيران والفنادق
هذا التحول يفرض تحديات واضحة على شركات الطيران وسلاسل الفنادق، التي باتت مطالبة بإعادة صياغة استراتيجياتها التسويقية والتسعيرية. ويؤكد خبراء أن العروض المرنة، الحوافز المخصصة للحجز المبكر، وبرامج الولاء أصبحت عناصر أساسية لجذب المسافر الجديد.
في المقابل، يمثل التخطيط المبكر فرصة حقيقية للقطاع، إذ يسمح للشركات بتحسين إدارة الموارد، التنبؤ بالطلب، وتقليل الخسائر المرتبطة بالإلغاءات المفاجئة.
الوجهات الأقل شهرة تدخل المنافسة
التحول في سلوك المسافرين منح دفعة قوية للوجهات السياحية الصاعدة، التي باتت قادرة على الترويج لنفسها بفعالية من خلال الحملات الرقمية الموجهة. فالمسافر الذي يخطط مبكرًا يكون أكثر استعدادًا لاكتشاف وجهات جديدة بدلًا من الاقتصار على المقاصد التقليدية.
ويرى متخصصون أن هذا الاتجاه يسهم في إعادة توزيع الحركة السياحية عالميًا، بما يدعم الاستدامة ويخفف الضغط عن الوجهات المزدحمة.
صناعة أكثر نضجًا ومسافر أكثر وعيًا
ويجمع خبراء السياحة على أن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد تغيير مؤقت، بل تحول هيكلي في طريقة التفكير في السفر. فالمسافر لم يعد مستهلكًا سلبيًا، بل أصبح شريكًا واعيًا في صناعة السياحة، يخطط، يختار، ويقيّم بعناية.
ويؤكد هذا الاتجاه أن صناعة السياحة العالمية تدخل مرحلة جديدة من النضج، تعتمد على التخطيط، الجودة، والاستدامة، ما يعيد رسم خريطة المنافسة بين الوجهات والشركات، ويضع المسافر في قلب المعادلة السياحية العالمية لعام 2026 وما بعدها.


