مقبرة بتاح شبسس تعود إلى الواجهة.. ماذا كشفت أعمال التنقيب في سقارة؟
أعاد مشروع أثري بمنطقة سقارة الأثرية فتح صفحات جديدة من تاريخ مصر القديمة، بعدما نجحت بعثة المعهد التشيكي لعلم المصريات في الكشف عن مقصورة قرابين لم يتمكن عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت من العثور عليها خلال حفائره السابقة، إلى جانب استكمال أعمال التنقيب عن مقابر لكبار كهنة الإله بتاح وموظفي الدولة، في اكتشافات تسلط الضوء على الحياة الاجتماعية والممارسات الجنائزية خلال عصر الدولة القديمة.
وتفقد شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، منطقة آثار سقارة لمتابعة أعمال البعثات الأثرية العاملة بالموقع، والاطلاع على أحدث نتائج الحفائر وجهود التوثيق والترميم والدراسات العلمية المرتبطة بالمقابر الأثرية، مؤكدا أهمية مواصلة أعمال البحث والتنقيب وفقا لأحدث المعايير العلمية.
وأشاد الوزير بجهود البعثات المصرية والأجنبية في الكشف عن جوانب جديدة من الحضارة المصرية القديمة، مشيرا إلى أهمية التعاون البحثي وتبادل الخبرات مع المؤسسات العلمية الدولية بما يسهم في تعزيز المعرفة بالتراث المصري.
مقصورة قرابين تظهر للمرة الأولى في سقارة
من أبرز نتائج أعمال البعثة التشيكية الكشف عن مقصورة قرابين خاصة بـ«إيخت نفرت»، زوجة «سابو»، لم يتمكن عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت من العثور عليها خلال أعمال الحفائر السابقة.
كما كشفت الأعمال عن باب وهمي يحمل مناظر تصور إيخت نفرت برفقة زوجها وابنيهما «بتاح شبسس» و«رع نفر»، ما يضيف تفاصيل جديدة عن الأسرة وعلاقاتها، ويساعد الباحثين على فهم جوانب من الحياة الاجتماعية والممارسات الجنائزية لدى كبار رجال الدولة خلال عصر الدولة القديمة.
واستمع الوزير خلال الجولة إلى شرح من الدكتور محمد مجاهد، نائب رئيس البعثة، حول نتائج الحفائر والدراسات الأثرية، كما تفقد مقبرتي سابو وابنه بتاح شبسس، وما تضمانه من عناصر معمارية ونقوش ومناظر أثرية ذات قيمة تاريخية وفنية.
مقبرة سابو تكشف أسرار العمارة الجنائزية
تبلغ أبعاد مقبرة سابو نحو 54 مترا طولا و28 مترا عرضا، فيما يقدر ارتفاعها الأصلي بنحو خمسة أمتار. وتتميز واجهاتها الخارجية بتصميمات تحاكي واجهات القصور الملكية، في انعكاس للمكانة الرفيعة التي تمتع بها صاحب المقبرة في المجتمع المصري القديم.
وتضم مقصورة القرابين نقوشا بارزة بحالة جيدة من الحفظ، تصور سابو وابنه بتاح شبسس وهما يشرفان على مواكب حاملي القرابين، وتتميز هذه النقوش بدقة تنفيذها وقيمتها الفنية، ما يجعلها مصدرا مهما لدراسة الفنون والممارسات الدينية في تلك الفترة.
وتساعد هذه العناصر المعمارية والفنية على تتبع تطور العمارة الجنائزية لدى النخبة المصرية القديمة، فضلا عن التعرف على الأساليب التي استخدمها المصريون القدماء لتوثيق مكانة أصحاب المقابر وأدوارهم في المجتمع.
تابوت من الحجر الجيري ورفات داخل مقبرة بتاح شبسس
وفي تطور مهم ضمن أعمال التنقيب، نجحت البعثة في إعادة تحديد موقع مقبرة بتاح شبسس بالاستعانة بصور الأقمار الصناعية والمسح الميداني، وتبين أنها تمتد على مساحة تتجاوز 900 متر مربع، وتضم حجرة للقرابين ومدخلا مزينا بنقوش تصور مواكب حاملي القرابين ومشاهد ذبح الأضاحي.
وأسفرت الحفائر عن الكشف عن حجرة الدفن، التي يمكن الوصول إليها عبر ممر هابط ضخم من الجهة الشرقية، حيث عثر بداخلها على تابوت من الحجر الجيري يضم رفات صاحب المقبرة.
وشغل بتاح شبسس مناصب رفيعة خلال عهود أربعة من ملوك الأسرة الخامسة، هم ساحورع، ونفر إير كارع، ورع نفر أف، ونيوسررع، وهو ما يعكس امتداد مسيرته الإدارية خلال مرحلة مهمة من تاريخ الدولة القديمة.
وتشير الدراسات الأثرية إلى أن بتاح شبسس يعد أول مسؤول من خارج العائلة المالكة يتزوج أميرة مصرية، وهي الأميرة «خع ماعت»، ابنة الملك أوسركاف مؤسس الأسرة الخامسة، في دلالة على المكانة الاستثنائية التي وصل إليها داخل الدولة المصرية القديمة.
ورغم تعرض المقبرة للسرقة في العصور القديمة وفقدان الحلي والمقتنيات الثمينة، فإن بقايا موميائه ظلت محفوظة، ما أتاح لفريق من علماء الأنثروبولوجيا المصريين فحصها ودراستها.
وأظهرت نتائج الدراسة أن بتاح شبسس توفي عن عمر تجاوز 60 عاما، وهو ما يتوافق مع المعلومات الواردة في نقوش سيرته الذاتية، ويعد عمرا متقدما بمقاييس تلك الحقبة التاريخية، كما يقدم مؤشرا إضافيا يساعد الباحثين على دراسة حياته وظروف معيشته.
مشروع أثري يستكمل حفائر القرن التاسع عشر
وأوضح الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن أهمية المشروع تتمثل في استكمال التنقيب عن مقابر لم تكتمل أعمال الكشف عنها منذ القرن التاسع عشر، بما يتيح توثيقها ودراستها باستخدام التقنيات العلمية الحديثة.
وكان أوغست مارييت قد كشف، خلال الفترة من 1858 إلى 1860، عن نحو 160 مقبرة تعود إلى فترات مختلفة من عصر الدولة القديمة، إلا أن الحفائر اقتصرت آنذاك على أجزاء محددة من عدد منها، قبل أن تغطي الرمال معالمها مجددا.
وتواصل البعثة التشيكية حاليا أعمال الحفائر والدراسة والترميم، بهدف الكشف عن بقية مقابر الجبانة وتوثيق ما تضمه من نقوش وعناصر معمارية وفنية، بما يضيف معلومات جديدة عن الحياة الدينية والاجتماعية لكبار الكهنة ورجال الدولة في مصر القديمة.
سقارة تعزز مكانة مصر على خريطة السياحة الثقافية
وتؤكد الاكتشافات المتواصلة في سقارة الأهمية الأثرية والتاريخية للمنطقة، التي لا تزال تكشف عن تفاصيل جديدة من الحضارة المصرية القديمة، وتوفر للباحثين فرصا أوسع لدراسة تطور المجتمع والإدارة والفنون والمعتقدات الجنائزية.
كما تدعم هذه الاكتشافات جهود مصر في إبراز ثراء تراثها الحضاري وتعزيز السياحة الثقافية، من خلال تقديم معلومات جديدة عن المواقع الأثرية وفتح آفاق أوسع أمام الزوار والباحثين من مختلف أنحاء العالم للتعرف على تاريخ مصر القديم.


