رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

بين زهرة اللوتس والرموز المسيحية.. أسرار فنية تكشفها شواهد القبور القبطية

Go Egypia

تكشف شواهد القبور القبطية عن جانب مهم من تاريخ المجتمع المصري خلال العصور المسيحية المبكرة، إذ لا تقتصر قيمتها على توثيق أسماء المتوفين وتواريخ رحيلهم، بل تمتد لتشمل الفنون والرموز الدينية واللغات المستخدمة، فضلًا عن مظاهر التفاعل الحضاري بين التقاليد المصرية القديمة والتأثيرات اليونانية والرومانية والبيزنطية. وتقدم هذه الشواهد مادة أثرية مهمة لفهم تطور الفن الجنائزي في مصر، وما حمله من دلالات تعكس المعتقدات والتقاليد السائدة في تلك الفترات.

ومن بين النماذج المميزة التي يسلط الضوء عليها متحف الإسكندرية القومي شاهدة قبر لسيدة تُدعى «تومانا»، يُنسب مصدرها إلى الفيوم، ويعود تاريخها، وفقًا للبيانات الواردة عنها، إلى القرن الخامس الميلادي. وتتميز القطعة بتصميمها الذي يجمع بين العناصر المعمارية والزخارف النباتية والنقش الكتابي باللغة اليونانية، لتقدم نموذجًا يجمع بين الوظيفة التذكارية والقيمة الفنية والدينية.

Collection online - Funerary stela showing the deceased with his arms lifted in prayer

تصميم الشاهدة.. واجهة معمارية وزخارف تحمل دلالات رمزية

صُنعت الشاهدة من الحجر الجيري، واتخذت شكل لوحة مستطيلة رأسية، نُفذت زخارفها بأسلوب الحفر البارز. وينقسم تصميمها إلى قسمين رئيسيين؛ يتخذ الجزء العلوي هيئة واجهة معمارية تنتهي بقمة نصف دائرية تشبه الحنية، وتتوسطها زخرفة الصدفة المروحية، وهي من العناصر الزخرفية التي ظهرت في الفنون المعمارية خلال العصور القديمة واستمر استخدامها في سياقات فنية مختلفة.

أما القسم السفلي، فيصور سيدة واقفة بين نخلتين، ترتدي ثوبًا طويلًا فضفاضًا وشالًا حول الصدر، مع غطاء للرأس، وترفع ذراعيها إلى أعلى في وضعية ترتبط في الفن المسيحي القديم بالتضرع والصلاة. وعلى جانبي المشهد يظهر عمودان يحملان زخارف زهرة اللوتس، وهي من العناصر النباتية ذات الجذور العميقة في الفن المصري القديم، ما يعكس استمرار حضور بعض المفردات الفنية المصرية في أعمال تعود إلى فترات تاريخية لاحقة.

Funerary Stele with Architectural Frame - The Metropolitan Museum of Art

وتبرز أهمية هذا التكوين في الجمع بين عناصر متعددة المرجعيات الفنية؛ فالهيئة المعمارية والزخارف النباتية وطريقة تصوير الشخصية تتضافر في مشهد جنائزي واحد، يعكس طبيعة الفن في مصر خلال القرون الأولى للمسيحية، حين تفاعلت التقاليد المحلية مع التأثيرات اليونانية والرومانية، ضمن سياق ثقافي وديني متغير.

نقش يوناني يوثق ذكرى تومانا

تحتل الكتابة اليونانية مكانة أساسية في الشاهدة، إذ يتضمن النقش دعاءً للمتوفاة، يطلب فيه كاتبه من الرب أن يمنح الراحة لنفس تومانا، ويذكر أنها «رقدت في الرب»، ثم يشير إلى يوم الوفاة في شهر برمودة، المعروف في النص اليوناني باسم «فارموثي»، وإلى رقم السنة ضمن نظام التأريخ المعروف باسم «الإندكتيون».

Funerary stele of carved limestone

وتُظهر هذه الصيغة جانبًا من الممارسات الجنائزية المسيحية في مصر؛ فالنقش لا يكتفي بتسجيل الوفاة، بل يربطها بدعاء ديني يعبر عن الرجاء في الراحة والسلام. كما أن استخدام اللغة اليونانية يعكس حضورها في الكتابات الدينية والإدارية والجنائزية خلال تلك الفترة، إلى جانب اللغات والتقاليد المحلية التي استُخدمت في مصر عبر العصور.

وتنتهي صيغة الدعاء بكلمة «آمين»، في حين يظهر الحرفان اليونانيان «ألفا» و«أوميجا» على جانبي التكوين. وهما أول حروف الأبجدية اليونانية وآخرها، وقد اكتسبا في السياق المسيحي دلالة رمزية ترتبط بالبداية والنهاية، وتُستخدم هذه الرمزية للتعبير عن شمولية الوجود الإلهي. ويمنح وجودهما الشاهدة بُعدًا دينيًا إضافيًا، يتجاوز مجرد تخليد ذكرى المتوفاة.

إشكالية تاريخ الوفاة.. قراءة أثرية تحتاج إلى التدقيق

من الجوانب اللافتة في الشاهدة وجود احتمال لاختلاف قراءة تاريخ الوفاة، بسبب حالة النقش وعدم انتظام بعض الحروف اليونانية. فوفقًا للقراءة الأولية الواردة في وصف القطعة، قد يكون التاريخ هو اليوم الثاني عشر من شهر فارموثي، في السنة السادسة من الإندكتيون، بينما تطرح قراءة بديلة احتمال أن يكون اليوم الثالث عشر من الشهر نفسه، في السنة الثانية من الإندكتيون.

وتوضح هذه الملاحظة أهمية التعامل الدقيق مع النقوش القديمة، إذ يمكن لاختلاف بسيط في شكل أحد الحروف أو الأرقام أن يؤدي إلى تغيير قراءة التاريخ أو تفسيره. كما أن بعض النقوش الجنائزية قد تتضمن أخطاء في التنفيذ أو صيغًا غير مألوفة في الكتابة، وهو ما يستلزم المقارنة بين العلامات المحفورة وبنية النص وسياقه التاريخي قبل اعتماد قراءة نهائية.

Collezione online - Stele funeraria di Elisabetta, in lingua copta

ويُعد نظام الإندكتيون من الأنظمة الزمنية التي استُخدمت في العالم الروماني المتأخر والبيزنطي، وفي مصر خلال فترات تاريخية مختلفة، وكان يعتمد دورة مالية تمتد إلى خمسة عشر عامًا. ولذلك فإن تحديد السنة السادسة أو الثانية ضمن هذا النظام لا يكفي وحده لتعيين سنة ميلادية محددة، ما لم تتوافر معلومات إضافية تساعد على ضبط التاريخ.

ومن هنا، فإن اختلاف قراءة تاريخ الشاهدة لا يقلل من قيمتها الأثرية، بل يبرز أهمية النقوش بوصفها مصادر تاريخية تحتاج إلى الدراسة والتحليل، خاصة عندما تتعرض بعض أجزائها للتآكل أو تتداخل فيها الأرقام والحروف.

شواهد القبور.. وثائق تاريخية تتجاوز الوظيفة الجنائزية

تكتسب الشواهد الجنائزية القبطية أهميتها من قدرتها على الجمع بين المعلومات الشخصية والمعتقدات الدينية واللغة والفنون. فهي تسجل أسماء أشخاص عاشوا في فترات تاريخية محددة، وتقدم أحيانًا معلومات عن تواريخ الوفاة، كما تكشف عن أساليب النحت والزخرفة والرموز التي كانت مستخدمة في البيئة المحلية.

وتساعد دراسة هذه القطع على تتبع تطور الفن القبطي، وفهم كيفية إعادة توظيف بعض العناصر الفنية الموروثة من الحضارات السابقة داخل سياقات مسيحية جديدة. فظهور زهرة اللوتس إلى جانب الصيغ التعبدية المسيحية، على سبيل المثال، يلفت الانتباه إلى استمرار بعض المفردات البصرية القديمة وإمكانية اكتسابها معاني جديدة بحسب السياق الذي تظهر فيه.

كما أن النقوش اليونانية تفتح مجالًا لدراسة تطور اللغة وصيغ التعبير الديني وطرق التأريخ، وتتيح المقارنة بين الشواهد المكتشفة في مناطق مختلفة من مصر. ومن خلال هذه المقارنات يستطيع الباحثون رصد أوجه التشابه والاختلاف بين المراكز الثقافية، وفهم العلاقة بين التقاليد المحلية والتأثيرات القادمة من العالم المتوسطي.

ويظل متحف الإسكندرية القومي أحد الأماكن التي تتيح للزائر التعرف على مراحل متعددة من تاريخ مصر وحضارتها؛ إذ يضم مجموعات أثرية تمتد عبر عصور مختلفة، ويعرض جوانب من تطور الفنون والصناعات المصرية. وتمثل القطع الجنائزية، ومنها الشواهد القبطية، مدخلًا مهمًا لفهم الحياة الدينية والاجتماعية والفنية، بعيدًا عن الاقتصار على الآثار الملكية أو المعمارية الكبرى.

تم نسخ الرابط