رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من كنوز تانيس.. الذهب وطقوس القرابين السائلة في عهد بسوسنس الأول

 كنوز تانيس
كنوز تانيس

تكشف الكنوز الملكية المكتشفة في تانيس، المعروفة حاليًا بصان الحجر بمحافظة الشرقية، عن جانب مهم من ثراء الفن المصري القديم وتنوع استخدامات المعادن النفيسة في الحياة الدينية والملكية. ومن بين أبرز هذه المقتنيات الأواني الذهبية التي عُثر عليها داخل المقبرة الملكية للملك بسوسنس الأول، والتي تُعرض ضمن كنوز تانيس بالمتحف المصري بالقاهرة، شاهدةً على براعة الصياغة المعدنية وعلى المكانة التي احتلتها الأدوات الطقسية في الممارسات الدينية خلال الأسرة الحادية والعشرين.

الذهب في خدمة الطقوس الملكية

May be an image of brass

لم يقتصر استخدام الذهب في مصر القديمة على صناعة الحلي والتيجان والأقنعة الجنائزية، بل امتد ليشمل الأواني التي ارتبطت بالشعائر الدينية ومراسم التطهر وتقديم القرابين. وتبرز أهمية هذه المقتنيات في الجمع بين القيمة المادية للمعدن النفيس والدلالات الرمزية المرتبطة بالسلطة الملكية والممارسات المقدسة.

ومن بين هذه القطع إناء ذهبي مخصص لطقوس التطهر وسكب السوائل، يُعرف في المصطلحات المصرية القديمة باسم «نِمسِت» (Nemset)، وقد ارتبط باستخدامات طقسية شملت سكب السوائل والتطهير. ويُحفظ أحد هذه الأواني المنسوبة إلى بسوسنس الأول بالمتحف المصري بالقاهرة، ويحمل نقشًا هيروغليفيًا يتضمن اسم الملك وألقابه، بما يربط القطعة مباشرة بهويته الملكية. 

براعة الصياغة وتفاصيل التصميم

تقدم الأواني الذهبية المكتشفة في تانيس نموذجًا مميزًا لقدرة الصائغ المصري القديم على تشكيل المعدن النفيس وتحويله إلى أدوات تجمع بين الوظيفة والجمال. فقد تنوعت أشكال الأواني بين القطع المخصصة لسكب السوائل والأوعية ذات الاستخدامات الطقسية، مع عناية واضحة بالتفاصيل الزخرفية وطريقة تشكيل المقابض والحواف.

وتكتسب الأواني المزينة بعناصر نباتية، ولا سيما زهرة اللوتس، أهمية خاصة في دراسة الفن المصري القديم؛ إذ حضرت الزهرة في عدد من السياقات الفنية والدينية، وارتبطت في التصوير والرمزية المصريين بمعاني التجدد والحياة. كما تكشف بعض كؤوس القرابين عن تداخل التأثيرات الفنية بين مصر والمناطق المجاورة، وهو ما يجعل دراسة أشكالها وزخارفها مدخلًا لفهم العلاقات الثقافية في العالم القديم.

تانيس.. مدينة ملكية تحفظ أسرار الماضي

May be an image of brass

ارتبطت تانيس، الواقعة في شرق دلتا النيل، بتاريخ ملوك الأسرة الحادية والعشرين والثانية والعشرين، واحتضنت مقابر ملكية وأخرى لشخصيات بارزة في الدولة. وقد شهد الموقع اكتشافات أثرية مهمة قادها عالم الآثار الفرنسي بيير مونتيه، الذي كشف عن المقابر الملكية ابتداءً من عام 1939، لتظهر مجموعة استثنائية من القطع الذهبية والفضية والمجوهرات والأواني وغيرها من المقتنيات الجنائزية.

وتضم كنوز تانيس قطعًا ذات قيمة تاريخية وفنية كبيرة، من بينها القناع الجنائزي الذهبي لبسوسنس الأول، إلى جانب أوانٍ وحلي ومقتنيات أخرى تكشف عن مستويات متقدمة من المهارة الحرفية وعن تنوع المواد المستخدمة في تجهيز المقابر الملكية. وتُعد هذه المجموعة مصدرًا مهمًا لدراسة الفن الجنائزي والطقوس الملكية خلال عصر الانتقال الثالث. 

من المقبرة الملكية إلى المتحف

تمثل الأواني الذهبية المكتشفة في مقبرة بسوسنس الأول أكثر من مجرد نماذج نادرة من فنون صناعة المعادن؛ فهي شواهد مادية تساعد الباحثين على فهم العلاقة بين الملكية والمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية. كما أن عرضها في المتحف المصري بالقاهرة يتيح للجمهور فرصة التعرف على جانب من تفاصيل الحياة الطقسية في مصر القديمة، من خلال قطع احتفظت بخصائصها الفنية وبما تحمله من نقوش ودلالات تاريخية.

وتظل كنوز تانيس، بما تتضمنه من أوانٍ ذهبية وفضية وحلي ومقتنيات ملكية، أحد المفاتيح المهمة لفهم حضارة مصر القديمة في فترة لا تحظى دائمًا بالاهتمام الجماهيري نفسه الذي تحظى به عصور أخرى. فهي تؤكد أن دراسة الحضارة لا تقتصر على المعابد والتماثيل الضخمة، بل تمتد أيضًا إلى الأدوات الصغيرة التي استخدمها المصري القديم في طقوسه وممارساته اليومية والدينية، والتي تكشف تفاصيلها عن عالم غني من الرموز والتقاليد والمهارات الفنية.

تم نسخ الرابط