رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

موكب جنائزي من الأسرة التاسعة عشرة.. صورة نادرة من ذاكرة المتحف المصري

وكب جنائزي من عصر
وكب جنائزي من عصر الأسرة التاسعة عشرة

تستعيد صورة أرشيفية نادرة جانبًا من تاريخ المتحف المصري بالقاهرة، من خلال مشهد جداري يصور موكبًا جنائزيًا يعود إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة من الدولة الحديثة، لتكشف الصورة جانبًا من الطقوس والممارسات التي ارتبطت بمراسم الدفن في مصر القديمة، وفي الوقت نفسه توثق مرحلة مهمة من تاريخ العرض المتحفي.

ولا تقتصر أهمية الصورة على المشهد الأثري الذي تسجله، إذ تنتمي إلى مجموعة تاريخية من الصور الفوتوغرافية التي وثقت مقتنيات وقاعات المتحف المصري بالقاهرة في مراحل مبكرة، ضمن ألبوم «Cartes postales – Postcards»، لتصبح الصورة شاهدًا مزدوجًا على الأثر من ناحية، وعلى تاريخ المتحف وطرق عرض مقتنياته من ناحية أخرى.

موكب جنائزي من عصر الأسرة التاسعة عشرة

يظهر في الصورة جزء من مشهد جداري يصور موكبًا جنائزيًا، وهو نوع من المشاهد التي ارتبطت بتوثيق المراسم والطقوس التي صاحبت رحلة المتوفى إلى العالم الآخر وفق المعتقدات المصرية القديمة.

وتكشف هذه المشاهد عن جانب من التصور المصري القديم للموت، إذ لم تكن الوفاة في الفكر المصري القديم تمثل نهاية الوجود، وإنما ارتبطت برحلة وانتقال إلى عالم آخر، وهو ما انعكس في الطقوس الجنائزية وما صاحبها من مراسم واحتفالات وتجهيزات.

طقوس الموت والانتقال إلى العالم الآخر

احتلت الطقوس الجنائزية مكانة مهمة في الحضارة المصرية القديمة، وظهرت تفاصيلها في المقابر والمعابد والبرديات والمناظر المصورة على الجدران.

وكانت هذه المشاهد وسيلة لتسجيل المراسم المرتبطة بالدفن والرحلة الجنائزية، كما عكست معتقدات المصري القديم حول الحياة بعد الموت وضرورة تجهيز المتوفى للانتقال إلى العالم الآخر.

ومن هنا تكتسب المناظر الجنائزية قيمتها، فهي لا تقدم صورة فنية فقط، وإنما تمنح الباحثين والزائرين فرصة للتعرف على جانب من الحياة الدينية والاجتماعية والفكرية في مصر القديمة.

الأسرة التاسعة عشرة والدولة الحديثة

ينسب المشهد المصور إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة، وهي إحدى الأسر التي تنتمي إلى الدولة الحديثة في التاريخ المصري القديم، وهي الفترة التي شهدت ازدهارًا كبيرًا في الفنون والعمارة والنقوش وتوثيق الطقوس والمعتقدات.

وتساعد الأعمال الفنية والنقوش المرتبطة بهذه الفترة في تكوين صورة أكثر وضوحًا عن المجتمع المصري القديم، خاصة فيما يتعلق بالممارسات الدينية والجنائزية، إلى جانب ما تكشفه من تطور في أساليب التصوير والنقش والتعبير الفني.

الصورة لا توثق الأثر فقط

May be an image of text

الجانب اللافت في هذه الصورة الأرشيفية أنها لا تحفظ شكل الأثر وحده، وإنما تسجل أيضًا مرحلة من تاريخ المتحف المصري بالقاهرة وطريقة عرض المقتنيات في فترة مبكرة من تاريخ المتاحف المصرية.

فالصورة الفوتوغرافية القديمة تمثل وثيقة بصرية يمكن من خلالها مقارنة أساليب العرض المتحفي القديمة بالتطور الذي شهدته المتاحف على مدار العقود التالية، وهو ما يجعل الأرشيف الفوتوغرافي جزءًا مهمًا من ذاكرة المؤسسات المتحفية نفسها.

«Cartes postales».. ذاكرة فوتوغرافية للمتحف

تنتمي الصورة إلى مجموعة Cartes postales – Postcards، وهي مجموعة تاريخية من الصور الفوتوغرافية التي وثقت عددًا من مقتنيات وقاعات المتحف المصري بالقاهرة.

وتكتسب هذه المجموعة أهمية خاصة لأنها لا توثق الآثار باعتبارها قطعًا منفصلة فحسب، وإنما تقدم صورة عن كيفية ظهور هذه المقتنيات داخل المتحف خلال مرحلة تاريخية مختلفة، وهو ما يمنح الصور قيمة أرشيفية تتجاوز قيمتها البصرية.

بيانات الصورة الأرشيفية

وتحمل الصورة رقم اللوحة Album3_084، وتبلغ أبعادها 9 × 14 سم، بينما جاءت تقنيتها على هيئة ورق ألبومين/طباعة موجبة.

أما وصف الصورة فيشير إلى أنها توثق جزءًا من مشهد جداري يصور موكبًا جنائزيًا، منسوبًا إلى عصر الأسرة التاسعة عشرة.

وتكشف هذه البيانات عن أهمية التوثيق المصاحب للصور الأرشيفية، إذ يساعد تحديد رقم الصورة وتقنيتها وأبعادها ووصفها على تتبع مصدرها ودراسة تاريخها ضمن المجموعات الفوتوغرافية الخاصة بالآثار والمتاحف.

أرشيف المتحف.. شاهد على تاريخ العرض المتحفي

يمثل الأرشيف الفوتوغرافي للآثار جانبًا مهمًا من دراسة تاريخ المتاحف، إذ يمكن من خلاله التعرف على القطع التي كانت معروضة، وأماكن عرضها، وطريقة ترتيبها وتقديمها للجمهور في فترات زمنية مختلفة.

كما تساعد هذه الصور في الحفاظ على ذاكرة بصرية للمتحف، خاصة أن بعض أساليب العرض أو ترتيب القطع قد تغيرت مع مرور الوقت، لتصبح الصور القديمة وثائق تساعد في إعادة قراءة تاريخ المتحف وتطور رسالته في حفظ وعرض التراث المصري.

توثيق يحفظ الأثر وذاكرة المكان

وتبرز الصورة الأرشيفية أهمية الجمع بين حفظ الأثر المادي وحفظ الوثائق التي ارتبطت به، فالصورة القديمة يمكن أن تقدم معلومات لا تظهر بالضرورة من خلال القطعة الأثرية وحدها.

ومن خلال هذه النوعية من الأرشيفات، يمكن تتبع رحلة الأثر داخل المتحف، وفهم الطريقة التي جرى بها تقديمه للجمهور، فضلًا عن التعرف على تطور أدوات التصوير والتوثيق خلال المراحل المختلفة من تاريخ دراسة الحضارة المصرية القديمة.

حقوق الملكية والتوثيق العلمي

وبحسب البيانات المصاحبة للصورة، فإنها منشورة ضمن الأرشيف الفوتوغرافي لمتحف إجيزيو Museo Egizio Photo Archive في تورين، المعروف بالمتحف المصري في تورين، وتحمل ترخيص CC0 وفق البيانات الواردة عنها.

ويظل الإشارة إلى المصدر عند إعادة نشر الصور الأرشيفية خطوة مهمة للحفاظ على التوثيق العلمي والأرشيفي، خاصة أن الصور التاريخية تمثل مصادر بصرية لها قيمة في دراسة تاريخ الآثار والمتاحف وطرق توثيقها.

ختامًا.. صورة تحفظ تاريخين في لقطة واحدة

تكشف هذه الصورة الأرشيفية عن أكثر من مجرد موكب جنائزي من عصر الأسرة التاسعة عشرة؛ فهي تجمع في لقطة واحدة بين تاريخ مصر القديمة وتاريخ المتحف المصري بالقاهرة وتطور أساليب توثيق الآثار وعرضها.

وبين تفاصيل المشهد الجنائزي الذي يعكس معتقدات المصري القديم حول الموت والعالم الآخر، وتفاصيل الصورة التي تحفظ شكلًا من أشكال العرض المتحفي في الماضي، تبقى هذه الوثائق البصرية جزءًا مهمًا من ذاكرة التراث المصري، وشاهدًا على رحلة طويلة من الاكتشاف والتوثيق والحفاظ على آثار الحضارة المصرية.

تم نسخ الرابط