رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

باستت القطة المقدسة.. كيف أسرت قلوب المصريين القدماء؟

القطط في مصر القديمة
القطط في مصر القديمة

لم تكن القطط في مصر القديمة مجرد حيوانات أليفة تعيش داخل المنازل، بل ارتبطت بمكانة دينية ورمزية خاصة جعلتها واحدة من أبرز رموز الحضارة المصرية القديمة. 

وتصدرت الإلهة باستت هذا المشهد، بعدما ظهرت في هيئة القطة أو امرأة برأس قطة، لتجمع في صورتها بين الحماية والحنان والأنوثة والقوة.

وترتبط قصة باستت بمدينة «باست» المصرية القديمة، المعروفة باسم بوباسطس في المصادر اليونانية، والتي تقع في منطقة تل بسطة بمحافظة الشرقية الحالية. 

وتحولت المدينة إلى مركز رئيسي لعبادة الإلهة في شرق الدلتا، قبل أن تمتد عبادتها إلى مناطق أخرى من مصر، ومن بينها ممفيس.

من هي الإلهة باستت؟

احتلت باستت مكانة بارزة في المعتقدات المصرية القديمة، وارتبطت في الأساطير بالإله رع، إله الشمس، باعتبارها ابنته، كما ارتبطت بالإله بتاح إله الخلق، ونسب إليها دور أم للإله ما-حس المرتبط بالحرب.

ومع مرور الزمن، تطورت صورة باستت ومكانتها الدينية، خاصة خلال أواخر الدولة الحديثة، لتصبح مرتبطة بالسعادة والحماية ورعاية الأسرة، كما ارتبطت بحماية المنازل والنساء الحوامل والأطفال الرضع.

وكانت هذه المكانة انعكاسا لنظرة المصري القديم إلى القطة باعتبارها مخلوقا يجمع بين الهدوء والود من جهة، والقدرة على الدفاع والمواجهة من جهة أخرى.

القطط المنزلية والتحنيط في مصر القديمة

ارتبطت القطط المنزلية ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية للمصريين القدماء، وتظهر تمثيلات مبكرة لها في مقبرة «بقت الثالث» في بني حسن، وكذلك في مقابر النبلاء في طيبة، حيث ظهرت القطط بجوار النساء، وفي بعض المشاهد وهي مزينة بالحلي.

ومع انتشار عبادة باستت، لم يقتصر تكريمها على تقديم التماثيل البرونزية والتمائم التي ارتبطت بالحماية والخصوبة، بل ظهرت أيضا ممارسات واسعة لتحنيط القطط وتقديمها قرابين للإلهة.

وعثر علماء الآثار على أعداد كبيرة من مومياوات القطط داخل مقابر ومواقع مخصصة لهذا الغرض، وتفاوتت طرق التحنيط من حالة إلى أخرى.

فكشفت الدراسات الحديثة باستخدام الأشعة السينية أن بعض المومياوات جرى إعدادها بعناية، بينما كانت أخرى أقل تعقيدا، ولم تتضمن إفراغ الأحشاء، كما عثر داخل بعض المومياوات على كتل من الطين أو العظام.

وتكشف هذه الممارسات عن حجم الإقبال على تقديم القرابين المرتبطة بعبادة باستت، وعن المكانة التي وصلت إليها القطط في الحياة الدينية للمصريين القدماء.

باستت بين القطة والأسد

تميزت باستت أيضا بازدواجية واضحة في التصوير الفني والديني، إذ ظهرت في صور متعددة، أبرزها هيئة القطة أو جسد امرأة برأس قطة.

وفي مراحل أخرى، ظهرت الإلهة في صورة امرأة برأس أسد، وهي الصورة التي ارتبطت باسم «سخمت»، بما يعكس التحولات التي طرأت على الرموز الدينية في مصر القديمة.

ويرى بعض الباحثين أن هذا التحول في التصوير قد يكون ارتبط بعوامل بيئية وتغيرات في انتشار الحيوانات، إلى جانب تزايد أعداد القطط المنزلية وانتشارها داخل المجتمع المصري القديم.

وبين صورة القطة الهادئة وصورة الأسد القوية، حافظت باستت على دلالة تجمع بين الحماية والقوة، وبين الأنوثة والأمومة، لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات الرمزية تميزا في الديانة المصرية القديمة.

لماذا عبد المصريون القدماء القطط؟

لم ينظر المصري القديم إلى القطة باعتبارها إلها في حد ذاتها، وإنما ارتبطت القطة بصورة باستت ورمزت إلى صفات دينية وإنسانية اعتبرها المصريون جديرة بالتقدير، مثل الحماية والرعاية والخصوبة والأمومة.

ومن هنا تحولت القطة إلى رمز حاضر في الحياة اليومية والطقوس الدينية، وظهرت في التماثيل والتمائم والمقابر، كما ارتبطت بها صناعة واسعة لمومياوات القطط والقرابين.

وهكذا تكشف قصة باستت عن جانب آخر من الحضارة المصرية القديمة، حيث لم تكن الحيوانات مجرد عناصر من البيئة المحيطة بالمصري، بل دخلت في منظومة رمزية ودينية معقدة، جعلت القطة واحدة من أشهر الرموز التي بقيت حاضرة في الذاكرة التاريخية للحضارة المصرية حتى اليوم.

تم نسخ الرابط