رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

حين تحولت المهن إلى فن خالد.. متحف آثار الغردقة يكشف أسرار حياة المصري القديم

متحف آثار الغردقة
متحف آثار الغردقة

لم تقتصر عظمة الحضارة المصرية القديمة على المعابد الشاهقة والمقابر الملكية والطقوس الدينية، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية التي شكلت ملامح المجتمع عبر آلاف السنين. 

وبين أروقة متحف آثار الغردقة، تروي مجموعة من القطع الأثرية حكايات أصحاب الحرف والمهن الذين أسهموا في بناء الحضارة المصرية، موثقة مهاراتهم وأدواتهم وأساليب عملهم التي تحولت إلى سجل تاريخي يكشف جانبًا مهما من حياة المصريين القدماء.

متحف آثار الغردقة يرصد الحياة اليومية للمصري القديم

يضم متحف آثار الغردقة مجموعة مميزة من التماثيل والمجسمات والقطع الأثرية التي توثق الحرف والمهن اليومية، وتكشف عن طبيعة العمل في مصر القديمة، كما تعكس المكانة الكبيرة التي حظي بها العمل والإنتاج داخل المجتمع، باعتبارهما ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وتقدم هذه القطع صورة متكاملة عن الأنشطة التي مارسها المصري القديم لتلبية احتياجاته اليومية، إلى جانب ارتباط بعض المهن بالمعتقدات والطقوس الدينية التي شكلت جزءا من منظومة الحياة آنذاك.

عرف المصريون القدماء بمهاراتهم المتنوعة وإبداعهم في العديد من الحرف والصناعات، وتركوا تراثا غنيا يؤكد اهتمامهم بالتفاصيل ودقة التنفيذ، فضلا عن قدرتهم على تحويل الأدوات والمنتجات اليومية إلى أعمال تحمل قيمة فنية وحضارية استثنائية.

وتعد صناعة الفخار واحدة من أقدم الحرف التي ازدهرت في مصر القديمة، حيث استخدمت الأواني الفخارية في العديد من الأغراض اليومية، وشهدت هذه الصناعة تطورا كبيرا في أشكالها وأساليب إنتاجها والزخارف التي ميزتها عبر العصور المختلفة.

مجسم أثري يكشف مراحل صناعة الفخار

ومن أبرز المعروضات داخل المتحف مجسم خشبي يجسد مراحل صناعة الفخار، عثر عليه في منطقة سقارة داخل مقبرة كارنتي بجبانة هرم الملك تتي، ويرجع تاريخه إلى بداية الدولة الوسطى خلال القرنين الحادي والعشرين والعشرين قبل الميلاد.

ويعرض المجسم تفاصيل دقيقة لمراحل الإنتاج، بداية من إعداد الطين وتجهيزه، مرورا بتشكيل الأواني على عجلة الفخار، وصولا إلى عملية الحرق داخل الأفران، بما يعكس دقة التنظيم والعمل الجماعي الذي اتبعه الحرفيون المصريون القدماء.

كما تكشف القطعة الأثرية عن الجانب الفني للصناعة، حيث زينت العديد من المنتجات الفخارية بزخارف نباتية وهندسية منحتها قيمة جمالية إلى جانب وظيفتها العملية.

الرحى والخبز.. أساس الغذاء في مصر القديمة

احتلت مهنة طحن الحبوب مكانة مهمة في حياة المصري القديم، نظرا لارتباطها المباشر بإنتاج الخبز الذي شكل أحد أهم عناصر الغذاء اليومي.

ويعرض متحف آثار الغردقة تمثالا صغيرا لطحان يعود إلى عصر الدولة القديمة خلال الفترة من 2686 إلى 2125 قبل الميلاد، وهو مصنوع من الحجر الجيري الملون، ويظهر رجلا منهمكا في طحن الحبوب باستخدام الرحى اليدوية.

ويقدم التمثال مشهدا واقعيا لطبيعة العمل اليومي، كما يبرز الدور الحيوي لهذه المهنة في توفير الغذاء، ويؤكد حرص المصري القديم على توثيق مختلف مراحل الإنتاج والحياة العملية.

لم يكن الخبز مجرد طعام أساسي لدى المصريين القدماء، بل ارتبط أيضا بمعتقداتهم الدينية والجنائزية، حيث كان يقدم ضمن القرابين الغذائية داخل المقابر، إيمانا بأهميته في الحياة الأخرى.

ولهذا السبب ظهرت العديد من المشاهد والتماثيل التي توثق مراحل إعداد الخبز، بداية من طحن الحبوب والعجن، وحتى عملية الخبز، لتصبح هذه الأعمال سجلا بصريا يوثق واحدة من أهم الصناعات الغذائية في مصر القديمة.

الكاتب المصري القديم وحفظ المعرفة

وإلى جانب الحرف اليدوية، يحتضن المتحف تمثال الكاتب المصري القديم رع حتب المصنوع من الجرانيت الوردي، والذي يرجع إلى الأسرة الخامسة من عصر الدولة القديمة، ويعد من أبرز القطع المعروضة.

ويظهر التمثال رع حتب جالسا في هيئة تعكس الانتباه والتركيز، مرتديا باروكة الشعر المستعار، بينما يحمل لفافة من البردي، في تجسيد واضح لأهمية مهنة الكتابة ودورها المحوري في إدارة شؤون الدولة وحفظ المعرفة وتوثيق الأحداث.

الحرف والمهن.. جزء من هوية الحضارة المصرية

وتؤكد القطع الأثرية المعروضة بـ متحف آثار الغردقة أن المصري القديم لم ينظر إلى العمل باعتباره وسيلة للرزق فقط، بل اعتبره جزءا أصيلا من الهوية الحضارية التي بناها عبر آلاف السنين.

فكما خلد الملوك والنبلاء، حرص أيضا على توثيق الحرفيين وأصحاب المهن المختلفة، تاركا للأجيال اللاحقة سجلا فريدا يكشف تفاصيل العمل والإنتاج والكتابة والحياة اليومية في واحدة من أعظم حضارات العالم.

تم نسخ الرابط