أفريقيا في مواجهة الفجوة الرقمية.. 36% فقط يستخدمون الإنترنت
كشفت مؤشرات دولية حديثة عن استمرار فجوة رقمية واسعة بين دول العالم، رغم التوسع الكبير في شبكات الاتصالات وتغطية الإنترنت، حيث تصل نسبة استخدام الإنترنت إلى نحو 94% من السكان في الدول مرتفعة الدخل، بينما لا تتجاوز 23% في الدول منخفضة الدخل، بما يعكس تفاوتا واضحا في فرص الوصول إلى الخدمات الرقمية والاستفادة منها.
وأوضح التقرير أن معدلات استخدام الإنترنت في أوروبا ورابطة الدول المستقلة والأمريكتين تتراوح بين 88% و93%، في حين تنخفض النسبة إلى نحو 36% فقط في أفريقيا، ما يؤكد استمرار التحديات المرتبطة بإتاحة التكنولوجيا والقدرة على استخدامها والاستفادة من الخدمات الرقمية.
تغطية شبكات المحمول لا تعني الاستخدام الفعلي
وأشار التقرير إلى أن أكثر من 96% من سكان العالم أصبحوا مشمولين بتغطية شبكات الهاتف المحمول خلال عام 2025، إلا أن ارتفاع نسبة التغطية لا يعني بالضرورة استخدام الخدمات الرقمية بصورة فعلية.
ولا تزال عوامل عدة تحول دون الاستفادة الكاملة من البنية التكنولوجية المتاحة، وفي مقدمتها ارتفاع تكلفة الخدمات والأجهزة، وضعف المهارات الرقمية، إلى جانب تفاوت جودة الاتصال، وهي تحديات تظهر بصورة أكبر في الدول منخفضة الدخل والمناطق الريفية.
وتكشف هذه الفجوة أن الوصول إلى شبكة الاتصالات يمثل خطوة أولى فقط في عملية التحول الرقمي، بينما تتطلب الاستفادة الحقيقية من التكنولوجيا توافر القدرة الاقتصادية والمهارات والمعرفة اللازمة لاستخدامها بصورة فعالة.
التحول الرقمي.. الخدمات وحدها لا تكفي
وأكد التقرير أن التجارب الدولية الرائدة في مجال الخدمات الرقمية أظهرت أن نجاح التحول الرقمي لم يعد يقاس فقط بحجم الاستثمارات في التكنولوجيا أو عدد الخدمات التي جرى تحويلها إلى منصات إلكترونية.
وأصبح المعيار الأهم يتمثل في قدرة الحكومات على بناء خدمات رقمية مترابطة وسهلة الاستخدام، والاستفادة من البيانات في تحسين عملية تقديم الخدمة، إلى جانب وضع المواطن في قلب عملية تصميم الخدمات وتطويرها.
ويعني ذلك أن التحول الرقمي الحقيقي لا يرتبط بمجرد نقل الإجراءات التقليدية إلى منصات إلكترونية، وإنما بإنشاء منظومة حكومية أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على الاستجابة لاحتياجات المستخدمين.
وفي هذا السياق، أشار مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن المؤشرات المصرية تعكس انتقالا تدريجيا من مرحلة بناء البنية التحتية والتوسع في إتاحة الخدمات الرقمية إلى مرحلة التركيز على الاستخدام الفعلي لهذه الخدمات.
ويظهر هذا التحول في الزيادة الكبيرة في أعداد مستخدمي ومعاملات منصة مصر الرقمية، إلى جانب التوسع في خدمات العدالة الرقمية، بالتوازي مع نمو الصادرات الرقمية.
وتشير هذه المؤشرات إلى اتساع نطاق الاعتماد على الحلول الرقمية في تقديم الخدمات، وانتقال الرقمنة تدريجيا من كونها مشروعات تستهدف توفير البنية التحتية والمنصات إلى منظومة يعتمد عليها المواطن بصورة متزايدة في إنجاز معاملاته.
كيف يقاس نجاح التحول الرقمي؟
وتشير التجارب الدولية إلى أهمية استكمال جهود التحول الرقمي بالتوسع في قياس الأثر الفعلي للخدمات الرقمية على حياة المواطن، وعدم الاكتفاء بمؤشرات عدد الخدمات أو حجم الاستثمارات التي جرى ضخها في البنية التكنولوجية.
ويشمل قياس الأثر عناصر أكثر ارتباطا بتجربة المستخدم، مثل الوقت الذي يستغرقه الحصول على الخدمة، والتكلفة التي يتحملها المواطن، وجودة الخدمة، وسهولة استخدامها، ومستويات الرضا عنها.
ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بعدد الخدمات المتاحة إلكترونيا، وإنما بقدرتها على إحداث تحسن ملموس في العلاقة بين المواطن والجهاز الحكومي، وتقليل الوقت والجهد والتكلفة، وتقديم خدمات أكثر سرعة ووضوحا وكفاءة.
الفجوة الرقمية.. التحدي المقبل
وتظل معالجة الفجوة الرقمية أحد أبرز التحديات أمام تحقيق تحول رقمي شامل، خاصة في ظل التفاوت الكبير بين الدول والمناطق في معدلات استخدام الإنترنت، رغم الانتشار الواسع لشبكات الاتصالات.
ويحتاج سد هذه الفجوة إلى سياسات متكاملة لا تركز على توسيع التغطية فقط، وإنما تشمل خفض تكلفة الوصول إلى الإنترنت والأجهزة، وتطوير المهارات الرقمية، وتحسين جودة الاتصال، وضمان وصول الخدمات إلى المناطق الريفية والأكثر احتياجا.
وبالنسبة لمصر، فإن الانتقال من مرحلة إتاحة الخدمات الرقمية إلى مرحلة تعظيم الاستخدام وقياس أثرها يمثل خطوة مهمة في مسار التحول الرقمي، خاصة مع استمرار التوسع في الخدمات الحكومية الإلكترونية ونمو الاقتصاد الرقمي والصادرات المرتبطة به.
وفي النهاية، يظل المواطن هو المقياس الحقيقي لنجاح أي تحول رقمي، فكلما انعكست التكنولوجيا على سرعة الخدمة وجودتها وتكلفتها وسهولة الحصول عليها، أصبح التحول الرقمي أكثر قدرة على تحقيق أهدافه ودعم بناء حكومة أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المجتمع.


