عمره 4400 عام.. «يورونيوز» تسلط الضوء على اكتشاف سقارة الجديد
في اكتشاف أثري جديد يفتح نافذة على تفاصيل الحياة في مصر القديمة، سلطت شبكة «يورونيوز» الإخبارية الضوء على مقبرة أثرية نادرة اكتشفتها البعثة الأثرية الإسبانية المصرية المشتركة بمنطقة سقارة، وتعود إلى أواخر عصر الأسرة الخامسة، وتحديدا إلى عهد الملك «جد كا رع إسيسي».
ويكشف الاكتشاف الجديد، الذي جاء خلال موسم حفائر 2026 في منطقة «جبانة مارييت» شمال سقارة، عن تفاصيل مهمة تتعلق بالعمارة الجنائزية والفنون والحياة الإدارية في مصر القديمة، إلى جانب مشاهد ونقوش احتفظت بجزء كبير من ألوانها الأصلية رغم مرور نحو 4400 عام على تنفيذها.
مقبرة أثرية عمرها 4400 عام في سقارة
وأشارت «يورونيوز» في نشرتها الفرنسية اليوم الثلاثاء إلى أن المقبرة وصفت بأنها «نادرة وثمينة»، موضحة أنها تعود إلى نهاية الأسرة الخامسة من عصر المملكة المصرية القديمة، التي امتدت خلال الفترة من 2494 إلى 2345 قبل الميلاد.
وتقع المقبرة داخل جبانة سقارة جنوب غرب القاهرة، وتحديدا في منطقة «جبانة مارييت» شمال سقارة، حيث تواصل البعثة الأثرية الإسبانية المصرية المشتركة أعمال البحث والتنقيب.
وجاء الاكتشاف خلال أعمال التنقيب التي نفذت هذا الصيف بقيادة جامعة برشلونة المستقلة والمجلس الأعلى للآثار في مصر، ضمن موسم حفائر 2026، تحت قيادة عالم المصريات الإسباني جوزيب سيرفيلو.
مصطبة استثنائية تضم مصليين جنائزيين
وتتمثل المقبرة المكتشفة في مصطبة استثنائية تضم مصليين جنائزيين يعودان إلى شخصيتين من كبار المسؤولين في مصر القديمة، هما «يونمن» ووالده «إيتي».
وكان «يونمن» أحد كبار مسؤولي الملك «جد كا رع إسيسي»، وقد أمر ببناء المصلى الجنائزي الخاص به داخل المصطبة، بينما دفن فيها والده «إيتي»، الذي كان يشغل منصبا إداريا أقل رتبة.
وأكدت وزارة السياحة والآثار أن المقبرة تعود إلى نهاية الأسرة الخامسة، خلال عهد الملك «جد كا رع إسيسي»، مشيرة إلى أن وجود المصليين الجنائزيين يكشف عن أهمية الشخصيتين ومكانتهما داخل المجتمع والإدارة المصرية القديمة.
اكتشاف يكشف أسرارا جديدة عن المجتمع المصري القديم
وأكدت جامعة برشلونة المستقلة أن المقبرة المكتشفة تلقي الضوء على شخصيات كانت تتمتع بأهمية تاريخية واجتماعية وثقافية كبيرة، مشيرة إلى أن ثراء الصرح وجمال تفاصيله شكلا مفاجأة لفريق العمل الأثري.
ويرى علماء الآثار أن المقبرة المزدوجة قد تقدم دليلا على التطور الاجتماعي الذي شهده «يونمن»، الذي كان نجل مسؤول إقليمي قبل أن يرتقي في السلم الإداري ويصبح شخصية بارزة داخل الإدارة المركزية.
ويعتقد الباحثون أن رغبة «يونمن» في الدفن إلى جانب والده تعكس جانبا مهما من العلاقات الأسرية والمكانة الاجتماعية خلال تلك الفترة من تاريخ مصر القديمة.
ومن أبرز العناصر التي تميز الاكتشاف الجديد العتبة ذات الجودة العالية، إلى جانب مجموعة من النصوص الجنائزية التي صممت بما يتناسب مع شخصية صاحب المقبرة ومكانته.
كما كشفت أعمال التنقيب عن مشاهد ونقوش تتمتع بحالة حفظ استثنائية، وتصور مجموعة من الأنشطة التي كانت جزءا من الحياة اليومية والطقوس الجنائزية في مصر القديمة.
وتتضمن هذه المشاهد أنشطة زراعية ومواكب لتقديم القرابين، بالإضافة إلى رسومات لحمير وحيوانات أخرى، فيما احتفظ عدد من النقوش والمشاهد بألوانه الأصلية، وهو ما يمنح علماء الآثار فرصة مهمة لدراسة الفن المصري القديم بصورة أكثر دقة.
معلومات جديدة عن الحياة الإدارية في مصر القديمة
وترى السلطات المصرية أن هذا الاكتشاف يقدم معلومات جديدة وقيمة حول العمارة والفن والحياة الإدارية في مصر القديمة خلال نهاية الأسرة الخامسة.
ولا تقتصر أهمية المقبرة على تصميمها أو زخارفها، وإنما تمتد إلى ما يمكن أن تقدمه من معلومات عن طبيعة الإدارة المصرية القديمة، وتطور المكانة الاجتماعية لبعض المسؤولين، والعلاقات بين أفراد النخب الإدارية في تلك الفترة.
كما تساعد النقوش والمشاهد الموجودة داخل المقبرة الباحثين على فهم جوانب من الحياة اليومية والطقوس الجنائزية والأنشطة الاقتصادية التي ارتبطت بالمجتمع المصري القديم.
وعلى الرغم من أن منطقة «جبانة مارييت» كانت معروفة منذ أعمال التنقيب التي أجراها عالم الآثار الفرنسي أوغست مارييت خلال القرن التاسع عشر، فإنها لم تخضع حتى الآن لدراسة أو توثيق معمق بالشكل الذي يكشف جميع أسرارها.
ويهدف المشروع الأثري الحالي إلى إعادة بناء تضاريس منطقة سقارة ودراسة الجبانة باعتبارها مساحة حيوية شهدت نشاطا مستمرا للمصريين القدماء، سواء من خلال تقديم القرابين أو إقامة الشعائر الدينية أو تشييد المنشآت والمعالم الجنائزية.
إعادة بناء خريطة سقارة وفهم حركة السكان
ولا يركز المشروع على اكتشاف المقابر والمنشآت الأثرية فقط، وإنما يسعى إلى فهم الطريقة التي نظمت بها الجبانة ووظائف مكوناتها المختلفة.
ويشمل ذلك دراسة الشوارع والساحات، وتحليل حركة السكان داخل المنطقة، وفهم طبيعة الطقوس الدينية التي كانت تمارس فيها، بما يساعد على تكوين صورة أكثر شمولية عن الحياة داخل جبانة سقارة خلال فترات مصر القديمة.
وقاد تحليل الخرائط وإعادة بناء التصميم العمراني للمنطقة فريق البحث إلى اكتشاف مصطبة لم تكن معروفة من قبل، إلى جانب العثور على أدلة تشير إلى وجود مقبرتين أخريين بالقرب منها.
ويأمل الفريق الأثري في مواصلة أعمال التنقيب خلال المواسم المقبلة للوصول إلى المقبرتين المكتشفتين حديثا، والكشف عن مزيد من التفاصيل التي يمكن أن تضيف فصولا جديدة إلى تاريخ سقارة ومصر القديمة.
اكتشاف جديد يعزز مكانة سقارة الأثرية
ويأتي اكتشاف المقبرة الجديدة ليؤكد استمرار منطقة سقارة في الكشف عن آثار وكنوز جديدة، رغم مرور قرون طويلة على نشأة الجبانة واكتشاف عدد كبير من مقابرها ومنشآتها.
كما يمثل الاكتشاف فرصة مهمة لفهم التحولات الاجتماعية والإدارية والفنية التي شهدتها مصر في نهاية الأسرة الخامسة، من خلال الجمع بين دراسة العمارة الجنائزية والنقوش والمشاهد المصورة وتحليل السياق الجغرافي للجبانة.
وبينما يواصل علماء الآثار دراسة تفاصيل المصطبة والمقبرتين المحتملتين في محيطها، تظل سقارة واحدة من أهم المواقع الأثرية التي تكشف بصورة متواصلة عن جوانب جديدة من تاريخ الحضارة المصرية القديمة.


