رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

من أبو سمبل إلى العالم الافتراضي.. كيف تستعد مصر لعصر سياحة الميتافيرس؟

سياحة الميتافيرس
سياحة الميتافيرس

لم يعد اكتشاف العالم مرهونا بحجز تذكرة سفر أو قطع آلاف الكيلومترات للوصول إلى مقصد سياحي بعينه، فمع التطور المتسارع للتكنولوجيا، أصبح بإمكان الزائر خوض تجربة سياحية متكاملة من أمام شاشته، والتنقل بين المعالم التاريخية والثقافية في بيئة افتراضية ثلاثية الأبعاد تحاكي الواقع.

ومن هنا تبرز سياحة الميتافيرس كأحد الاتجاهات الحديثة التي تعيد تشكيل مستقبل صناعة السياحة عالميا، عبر دمج العالم الواقعي بالافتراضي، وإتاحة تجارب تفاعلية تتجاوز حدود المشاهدة إلى المشاركة والاستكشاف والتفاعل مع البيئة الرقمية.

وتسلط هذه التطورات الضوء على فرص مصر في الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة للترويج لمقاصدها السياحية والأثرية، خاصة في ظل امتلاكها رصيدا ضخما من الحضارة والتراث والثقافة يمكن تحويله إلى تجارب رقمية قادرة على الوصول إلى جمهور عالمي.

ما هي سياحة الميتافيرس؟

بحسب تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار حول "توظيف التقنيات الرقمية في زيارة المقاصد السياحية المصرية"، يشير مصطلح الميتافيرس إلى دمج العالمين الواقعي والافتراضي داخل بيئة رقمية موحدة، يمكن الوصول إليها عبر أجهزة الحاسوب والأجهزة الرقمية المختلفة، بالاعتماد على تقنيات مثل الواقع الافتراضي VR والواقع المعزز AR والواقع المختلط MR.

وتتيح هذه التقنيات إنشاء عوالم افتراضية جماعية ثلاثية الأبعاد، يستطيع المستخدمون التحرك داخلها والتفاعل معها بصورة تحاكي الواقع، بما يفتح الباب أمام أنماط جديدة من التجارب السياحية.

ولا تقتصر التجربة على مشاهدة الصور أو مقاطع الفيديو، وإنما يمكن للمستخدم التجول افتراضيا داخل مواقع تاريخية وأثرية، وحضور حفلات موسيقية، والمشاركة في ورش تعليمية وثقافية، ضمن بيئات رقمية تعتمد على تقنيات الفيديو بزاوية 360 درجة والصوت المكاني والتفاعلات الديناميكية.

مليارات الدولارات في سوق السياحة الافتراضية

يشهد سوق تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز في قطاع السياحة نموا متسارعا على المستوى العالمي، وفقا للتقرير، إذ بلغت قيمة السوق نحو ملياري دولار خلال عام 2025.

وتشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع قيمة السوق إلى نحو 7.6 مليار دولار بحلول عام 2031، في ظل التوسع المتواصل في استخدام التقنيات الرقمية وتزايد اهتمام المؤسسات السياحية بتطوير تجارب افتراضية قادرة على الوصول إلى المسافرين قبل اتخاذ قرار السفر.

وتتصدر أمريكا الشمالية سوق تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز في قطاع السياحة، بحصة بلغت نحو 40% خلال عام 2025، بينما جاءت أوروبا في المرتبة الثانية بحصة بلغت نحو 35%.

لم تكن مصر بعيدة عن التطورات العالمية في مجال توظيف التكنولوجيا الرقمية لخدمة القطاع السياحي، خاصة مع ما تمتلكه من مقومات أثرية وحضارية وثقافية تمنحها فرصة كبيرة للاستفادة من تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والميتافيرس.

وتأتي هذه التحركات في وقت حققت فيه السياحة المصرية أداء استثنائيا خلال عام 2025، بعدما استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح، وهو أعلى مستوى في تاريخ القطاع السياحي المصري، بمعدل نمو بلغ 21% مقارنة بعام 2024.

كما ارتفعت مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي لمصر خلال الفترة من 2014 إلى 2025، من 2.4% إلى 3.7%، لتسجل أعلى مستوى خلال هذا العقد.

جولة افتراضية داخل معبد أبو سمبل

ومن أبرز التجارب المصرية في هذا المجال، إطلاق جولة افتراضية لمعبد أبو سمبل عام 2021، نفذتها شركة 3D NAV وأهدتها إلى وزارة السياحة والآثار، بهدف استخدامها عبر منصات التواصل الاجتماعي للترويج للمقصد السياحي المصري، خاصة خلال فترة جائحة كوفيد-19.

ولم تتوقف أهمية التجربة عند حدود الترويج السياحي، إذ فازت الجولة الافتراضية بجائزة أفضل جولة افتراضية للتوثيق الأثري وحفظ التراث خلال المسابقة العالمية التي تنظمها شركة ماتربورت في أبريل 2025.

وتعكس هذه التجربة قدرة التكنولوجيا على تحويل المواقع الأثرية المصرية إلى وجهات رقمية يمكن الوصول إليها من مختلف أنحاء العالم، بما يوسع نطاق الترويج للتراث المصري ويمنح السائح فرصة للتعرف على المقاصد قبل زيارتها فعليا.

وفي سبتمبر 2022، شهدت مصر إطلاق أول مدينة مصرية افتراضية تحت اسم "ميتا توت"، في خطوة عكست بداية التوسع في توظيف تقنيات الميتافيرس في المجالات الثقافية والترفيهية.

وبعد عامين، أطلقت مدينة "ميتا نايل فيرس"، باعتبارها أول مدينة للفنون والثقافة والإعلام في الشرق الأوسط داخل عالم الميتافيرس.

وتضم المدينة مجموعة من المكونات الرقمية التفاعلية، من بينها مسرح افتراضي ثلاثي الأبعاد، واستوديوهات رقمية لإنتاج وتقديم البرامج الإعلامية التفاعلية، إلى جانب دور عرض سينمائية ودرامية ومسرحية ثلاثية الأبعاد تتيح للجمهور متابعة الأعمال الفنية والتفاعل مع صناعها عبر جلسات وحلقات نقاش مباشرة.

كما تضم المدينة متحفا فنيا افتراضيا يتيح للزائرين استكشاف المقتنيات الفنية رقميا بصورة تحاكي الواقع، فضلا عن منطقة ترفيهية ثلاثية الأبعاد تحتوي على ألعاب وأنشطة تفاعلية تناسب مختلف الفئات العمرية.

"Project Revival".. إحياء التاريخ المصري بالواقع المعزز

وفي نوفمبر 2024، ظهر اتجاه آخر لتوظيف التكنولوجيا في الترويج للتراث المصري من خلال مشروع "Project Revival"، الذي استهدف إحياء التاريخ المصري القديم عبر تجربة تفاعلية باستخدام تقنية الواقع المعزز على تطبيق إنستجرام.

وجاء المشروع بالتعاون بين وزارة السياحة والآثار وشركة ميتا، وتم تطبيقه في كل من المتحف المصري بالتحرير والمتحف القومي للحضارة المصرية، بما أتاح تقديم محتوى أثري وتاريخي بطريقة تفاعلية تتناسب مع طبيعة الجمهور الرقمي.

ويشير تقرير مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن الميتافيرس يمثل أحد الاتجاهات التي يمكن أن تحدث تحولا كبيرا في صناعة السياحة، بعدما أفرز نمطا سياحيا جديدا يكمل السياحة التقليدية ولا يحل محلها.

فالتجربة السياحية لم تعد مرتبطة فقط بالسفر الفعلي والوصول إلى المقصد، وإنما أصبح بإمكان الأفراد من مختلف دول العالم خوض تجارب افتراضية تساعدهم على اكتشاف الأماكن والتعرف على تاريخها وثقافتها قبل زيارتها على أرض الواقع.

كما تفتح هذه التقنيات الباب أمام فئات قد تحول ظروفها الاقتصادية أو الصحية أو الجغرافية دون السفر، للاستمتاع بتجارب سياحية وثقافية افتراضية، بما يدعم انتشار المعرفة بالوجهات السياحية ويعزز الاقتصاد الرقمي.

مصر أمام فرصة لتعزيز حضورها السياحي عالميا

تمتلك مصر فرصة كبيرة للاستفادة من تطبيقات الميتافيرس، في ظل ثراء مقوماتها الحضارية والأثرية والثقافية، التي يمكن تحويلها إلى تجارب رقمية مبتكرة تصل إلى ملايين المستخدمين حول العالم.

وقد يسهم التوسع في هذه التطبيقات في تقديم المواقع الأثرية والمقاصد السياحية المصرية بصورة أكثر تفاعلية، وتعزيز أدوات الترويج السياحي، والوصول إلى شرائح جديدة من الزائرين المحتملين.

ومع استمرار التطور في تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والميتافيرس، تبدو صناعة السياحة أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحدود بين العالم الواقعي والرقمي، لتصبح التجربة السياحية متاحة بضغطة زر، فيما تمتلك مصر تحديدا كل المقومات التي تؤهلها لتحويل تراثها الحضاري الممتد لآلاف السنين إلى تجارب رقمية تنافسية على الساحة العالمية.

تم نسخ الرابط