قبل أكثر من 70 مليون سنة.. الصحراء الغربية كانت موطنا لأسماك القرش
في قلب الصحراء الغربية، حيث تبدو المنطقة اليوم بعيدة تماما عن البحار والمحيطات، كشفت حفريات عمرها ملايين السنين عن قصة مختلفة تماما لطبيعة المكان، فقد أعلنت جامعة القاهرة اكتشاف تجمع ضخم من حفريات أسماك القرش في منطقة أبو طرطور، يعود عمرها الجيولوجي إلى أكثر من 70 مليون سنة، في اكتشاف يفتح نافذة جديدة على الحياة البحرية التي ازدهرت في مصر خلال عصور جيولوجية سحيقة.
ويكشف الاكتشاف أن أجزاء من الصحراء الغربية الحالية كانت مغمورة بمياه البحر في تلك العصور، وأن المنطقة كانت تحتضن نظاما بيئيا بحريا متكاملا، قبل أن تؤدي التحولات الجيولوجية والمناخية على مدار ملايين السنين إلى ظهورها بالشكل الصحراوي الذي نعرفه اليوم.
اكتشاف أنواع تسجل لأول مرة في مصر وأفريقيا
وقال الدكتور محمد قرني، المشرف على مشروع اكتشاف مقبرة أسماك القرش، في تصريحات للتليفزيون المصري، إن قصة الاكتشاف بدأت من خلال تواصل بين عدد من المتخصصين في الجيولوجيا والباحثين، عقب العثور على مجموعة من العينات في الصحراء الغربية.
وأوضح أن أعمال البحث وجمع العينات توسعت بعد ذلك في منطقة أبو طرطور، بمشاركة الباحث طارق، الذي كان يعمل على مشروع تخرجه في مجال الحفريات، بالتعاون مع عدد من الباحثين والمتخصصين.
وبدأت عقب ذلك عمليات دراسة العينات وتصنيفها، ليكتشف فريق البحث حفريات ذات أهمية علمية كبيرة، من بينها أنواع تسجل لأول مرة في مصر.
ولم تتوقف أهمية النتائج عند حدود مصر، إذ أظهرت الدراسات أن أحد الأنواع التي تم التعرف عليها يسجل للمرة الأولى في قارة أفريقيا، ما يمنح الاكتشاف قيمة علمية تتجاوز النطاق المحلي.
وأشار قرني إلى أن الجزء الأول من العمل البحثي أنجز ضمن مشروع التخرج، وتم نشر البحث الأول في عام 2024، قبل أن تتواصل الدراسات التي قادت إلى إعداد البحث الثاني الخاص بتجمع حفريات أسماك القرش في المنطقة.
لماذا أطلق عليها «مقبرة أسماك القرش»؟
وأوضح الدكتور محمد قرني أن استخدام مصطلح «مقبرة لأسماك القرش» لا يعني وجود مقبرة بالمعنى المتعارف عليه، وإنما يرجع إلى العثور على أعداد كبيرة ومتنوعة من حفريات أسماك القرش داخل مساحة جغرافية محدودة ومتقاربة.
وأكد أن فريق البحث تمكن حتى الآن من التعرف على سبعة أنواع من أسماك القرش في الموقع، وهو تنوع لافت بالنظر إلى طبيعة المكان والعمر الجيولوجي للحفريات.
وأشار إلى أن العدد الكبير من العينات وتنوعها كانا من أبرز الأسباب التي دفعت الباحثين إلى استخدام وصف «المقبرة»، موضحا أن بعض العينات تعرضت للكسر، سواء خلال عملية التحجر أو أثناء عمليات الاستخراج والدراسة، بينما توجد عينات أخرى لم تدخل ضمن النتائج المنشورة حتى الآن.
ولفت إلى أن الدراسات لا تزال مستمرة، ما يفتح الباب أمام إمكانية اكتشاف أنواع أخرى من أسماك القرش داخل الموقع.
قرش عملاق بطول يصل إلى 6 أمتار
ومن أبرز ما كشفته الدراسات، بحسب المشرف على المشروع، وجود عينة جرى التعرف عليها خلال البحث الأول تشير إلى سمكة قرش ضخمة، بلغ طولها نحو 6 أمتار أو أكثر.
ويعكس هذا الاكتشاف الحجم الكبير والتنوع اللافت للكائنات البحرية التي كانت تعيش في المنطقة خلال تلك الفترة الجيولوجية، كما يطرح تساؤلات علمية حول طبيعة السلسلة الغذائية والبيئة البحرية التي كانت تستضيف هذه الكائنات.
وحول تحديد العمر الجيولوجي للحفريات، أوضح قرني أن فريق البحث استعان بمجموعة من التقنيات والحفريات الدقيقة، بالتعاون مع متخصصين من قسم الجيولوجيا بجامعة القاهرة، من بينهم الدكتور رمضان والدكتورة آية.
وأوضح أن الحفريات الدقيقة المستخدمة في الدراسة تعد حفريات مرشدة، ويمكن الاعتماد عليها في تحديد العمر الزمني للطبقات الجيولوجية على مستوى العالم.
ومن خلال وجود هذه الحفريات داخل الصخور، تمكن الباحثون من تحديد الإطار الزمني الذي تنتمي إليه العينات المكتشفة.
وخلصت الدراسات التي أجريت ضمن البحث الأول إلى أن العمر الجيولوجي للعينات والمنطقة يتراوح تقريبا بين 80 و70 أو 73 مليون سنة.
وأكد قرني أن تحديد هذا الإطار الزمني لم يعتمد على حفريات أسماك القرش نفسها، وإنما على الأدوات والحفريات الجيولوجية المرشدة التي تستخدم في تحديد أعمار الطبقات.
عندما كانت الصحراء الغربية تحت مياه البحر
ويقدم الاكتشاف دليلا جديدا على التغيرات الجذرية التي شهدتها جغرافية مصر عبر ملايين السنين.
وأوضح المشرف على المشروع أن وجود حفريات أسماك القرش في الصحراء الغربية يؤكد أن المنطقة كانت مغمورة بمياه البحر خلال فترات جيولوجية قديمة، مشيرا إلى أن مياه البحر امتدت جنوبا خلال بعض تلك الفترات لمسافات أكبر مما هي عليه اليوم.
ومع وجود البحر، نشأ نظام بيئي بحري متكامل يضم أنواعا مختلفة من الكائنات البحرية، وبعد موت هذه الكائنات وتراجع المياه، بدأت بقاياها تتحول تدريجيا إلى حفريات داخل الصخور.
ومع استمرار العمليات الجيولوجية وارتفاع الصخور وظهورها على سطح الأرض، أصبحت هذه الحفريات متاحة أمام الباحثين لدراستها وإعادة بناء صورة الحياة التي كانت موجودة في المنطقة منذ عشرات الملايين من السنين.
وأكد الدكتور محمد قرني أن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على تحديد أنواع جديدة من أسماك القرش، وإنما تمتد إلى تقديم معلومات مهمة عن طبيعة البيئة والتغيرات المناخية والجيولوجية التي شهدتها المنطقة قبل أكثر من 70 مليون سنة.
وأوضح أن العثور على سبعة أنواع مختلفة من أسماك القرش، بينها أنواع كبيرة الحجم، يفتح المجال أمام دراسة طبيعة النظام الغذائي والبيئي الذي كانت تعيش فيه هذه الكائنات، والتعرف على أنواع الكائنات البحرية الأخرى التي شاركتها البيئة نفسها.
وأشار إلى أن وجود هذا التنوع من أسماك القرش يمثل مؤشرا على وجود نظام بيئي بحري متكامل، يضم كائنات متعددة وعلاقات غذائية متنوعة، إلى جانب مؤشرات جيولوجية تساعد العلماء في إعادة بناء صورة أكثر دقة للبيئة القديمة.
اكتشاف يفتح الباب أمام مزيد من الدراسات
ولا تزال أعمال البحث والدراسة مستمرة في الموقع، مع وجود عينات لم تدخل بعد ضمن النتائج المنشورة، وهو ما قد يقود إلى الكشف عن أنواع أخرى أو معلومات جديدة حول البيئة البحرية التي كانت سائدة في المنطقة.
ويمنح هذا الاكتشاف العلماء فرصة لإعادة قراءة تاريخ الصحراء الغربية من منظور مختلف، والكشف عن التحولات التي مرت بها المنطقة منذ عشرات الملايين من السنين، من بيئة بحرية غنية بالحياة إلى الصحراء التي نعرفها اليوم.
وبذلك، لا تقدم «مقبرة» أسماك القرش في أبو طرطور مجرد حفريات لكائنات بحرية قديمة، وإنما تمثل سجلا طبيعيا يوثق فصلا من تاريخ الأرض، ويساعد الباحثين على فهم تطور البيئات والمناخ والجغرافيا في مصر عبر عصور جيولوجية سحيقة.


