رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

تابوت يتحدث بملامحه.. تحفة مصرية من الأسرة السادسة والعشرين تخطف الأنظار

تابوت من مصر القديمة
تابوت من مصر القديمة

ليس كل تابوت في مصر القديمة مجرد وعاء لحفظ جسد المتوفى؛ فبعض التوابيت تحولت إلى أعمال فنية تحمل ملامح صاحبها، وتكشف في الوقت نفسه عن مستوى مذهل من الدقة التي وصل إليها الفنان المصري القديم.

ومن بين هذه القطع تابوت «حر-س-نس» (hr-s-ns)، الذي يرجع إلى الأسرة السادسة والعشرين، خلال الفترة الممتدة تقريبًا من 664 إلى 525 قبل الميلاد، والمحفوظ ضمن مقتنيات متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.

تأمل الوجه قبل التفاصيل

أكثر ما يلفت الانتباه في التابوت هو الوجه؛ فالفنان لم يتعامل معه باعتباره مساحة لنقش الملامح فقط، وإنما صاغه بعناية تمنح الشخصية حضورًا واضحًا.

العينان، والحاجبان، والأنف، والفم، وتفاصيل غطاء الرأس تتكامل لتكوين صورة تحمل السمات المثالية التي ارتبطت بالفن الجنائزي المصري.

ولهذا فإن مشاهدة التابوت من بعيد قد لا تكشف كل ما يحمله من تفاصيل، بينما يؤدي الاقتراب منه إلى إبراز مهارة النحات في التعامل مع الحجر والخشب والزخارف الدقيقة.

الفن كان جزءًا من العقيدة

ارتبطت صناعة التوابيت في مصر القديمة بالمعتقدات المتعلقة بالحياة بعد الموت، ولذلك لم تكن الزخارف والرموز الموضوعة عليها عشوائية.

كان الهدف هو حماية المتوفى ومساعدته في رحلته إلى العالم الآخر، مع الحفاظ على هويته وهيئته الرمزية.

ومن هنا جاءت أهمية الوجه؛ إذ كان تمثيل المتوفى بصورة واضحة جزءًا من فكرة استمرار وجوده بعد الموت.

الأسرة السادسة والعشرون.. عودة إلى تقاليد الماضي

تنتمي القطعة إلى الأسرة السادسة والعشرين، وهي فترة شهدت اهتمامًا واضحًا بإحياء الكثير من التقاليد الفنية والدينية القديمة.

وفي هذه المرحلة عاد الفنانون إلى استلهام نماذج من عصور مصرية أقدم، مع استمرار ظهور أساليب وتفاصيل فنية مميزة للعصر المتأخر.

ويمنح ذلك التابوت قيمة إضافية، لأنه لا يمثل مجرد قطعة جنائزية، بل يعكس مرحلة مهمة من تطور الفن المصري القديم.

لماذا تبدو الملامح حية؟

Professor Blanchard's Class Blog

سر جاذبية هذا النوع من التوابيت يكمن في قدرة الفنان على الجمع بين التناظر والدقة والرمزية.

فملامح الوجه مصممة وفق قواعد فنية واضحة، لكنها في الوقت نفسه تمنح المشاهد إحساسًا بوجود شخصية أمامه، وليس مجرد سطح مزخرف.

وهذه القدرة على خلق حضور بصري من خلال تفاصيل محدودة واحدة من السمات التي جعلت الفن المصري القديم يحتفظ بجاذبيته حتى اليوم.

قطعة تحمل أكثر من قصة

عند النظر إلى تابوت «حر-س-نس»، يمكن قراءة أكثر من مستوى في العمل؛ فهناك القصة الفنية التي تكشف مهارة الصانع، والقصة الدينية المرتبطة بعقيدة الموت والحياة الأخرى، والقصة التاريخية التي تضع القطعة في سياق مصر خلال العصر المتأخر.

ولهذا لا تبدو قيمة التابوت في عمره فقط، وإنما في المعلومات التي يحملها شكله وزخارفه وطريقة تنفيذه.

فالفنان المصري القديم لم يكن ينحت تابوتًا ليغلق قصة حياة صاحبه، بل كان يصنع له حضورًا يستمر بعد الموت.. وجه منحوت بدقة، وتفاصيل صامتة، وفن استطاع أن يجعل قطعة عمرها أكثر من ألفين وخمسمائة عام تبدو وكأنها لا تزال تحتفظ بشيء من روح صاحبها.

تم نسخ الرابط