رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر
رئيس مجلس الإدارة
عمرو عامر

ليست مقابر عادية.. أسرار كهنة حتحور مدفونة داخل صخور طهنا الجبل

مقابر فريزر الأثرية
مقابر فريزر الأثرية

تضم منطقة طهنا الجبل بمحافظة المنيا مجموعة مقابر فريزر الأثرية، التي ترجع إلى عصر الدولة القديمة، وتضم نحو 15 مقبرة صخرية خُصصت لكبار كهنة معبد حتحور، وتتميز بتخطيط معماري يحاكي المصاطب التقليدية مع نحتها مباشرة داخل الصخر، إلى جانب ما تحتويه من تماثيل ونقوش وعناصر جنائزية، من بينها الأبواب الوهمية وحجرات القرابين. وتعد المقبرة الثانية، المعروفة باسم «ني عنخ كاي»، من أبرز مقابر المجموعة لما تضمه من تماثيل ونصوص منقوشة تكشف جانبًا من معتقدات وطقوس المصري القديم.

على بعد نحو 8 كيلومترات شمال شرق مدينة المنيا، وفي منطقة طهنا الجبل، تختبئ بين الصخور واحدة من المجموعات الجنائزية اللافتة في صعيد مصر، وهي مقابر فريزر، التي تحمل بين جدرانها تفاصيل عن أصحاب مكانة دينية مهمة عاشوا خلال عصر الدولة القديمة.

وعلى الرغم من أن اسم «فريزر» ارتبط بهذه المقابر، فإن قصتها تعود إلى زمن أقدم بكثير من رحلة المهندس البريطاني الذي حملت اسمه؛ فالموقع يضم مجموعة من المقابر الصخرية التي تكشف عن أسلوب معماري مميز، يجمع بين شكل المصاطب المعروفة في جبانات منف وبين طبيعة المكان الصخرية في طهنا الجبل.

مقابر في قلب الجبل

No photo description available.

تتكون المجموعة من نحو 15 مقبرة صخرية ترجع إلى عصر الدولة القديمة، وتختلف حالتها من مقبرة إلى أخرى، بينما لا تزال بعض عناصرها المعمارية والزخرفية شاهدة على طبيعة الموقع ومكانة أصحاب هذه المقابر.

والمثير في تصميمها أن أصحابها لم يعتمدوا على إنشاء المصاطب من كتل حجرية فوق سطح الأرض، كما هو معروف في بعض جبانات منف، وإنما جرى نحت المقابر مباشرة داخل الصخر.

وبذلك ظهرت أمامنا مصاطب ذات طابع مختلف؛ فهي تحاكي في تخطيطها نماذج معروفة من عصر الدولة القديمة، لكنها تتكيف في الوقت نفسه مع طبيعة الجبل الذي احتضنها.

كهنة حتحور.. أصحاب المقابر

لم تكن هذه المقابر مخصصة لأشخاص عاديين، إذ ارتبطت بكبار كهنة معبد حتحور الذي كان قائمًا في مدينة راينت القديمة، المعروفة حاليًا باسم طهنا الجبل.

وتكشف هذه الحقيقة عن أهمية المنطقة الدينية في تلك الفترة، كما تمنح المقابر قيمة إضافية؛ فالمقبرة هنا لا تحكي فقط عن الموت والدفن، وإنما تفتح نافذة على الحياة الدينية والمكانة الاجتماعية لأصحابها.

وكانت حتحور من أبرز المعبودات في مصر القديمة، وارتبطت بالعديد من المعاني والوظائف الدينية، وهو ما انعكس على حضور معابدها وكهنتها في عدد من المواقع المصرية.

ماذا يوجد داخل المقابر؟

No photo description available.

تتميز المقابر بتخطيط معماري يضم عناصر مختلفة، من بينها ممر داخلي ومقصورة، بينما تضم بعض المقابر تماثيل لصاحب المقبرة وأفراد من أسرته.

وهذه التماثيل لم تكن مجرد أعمال فنية للزينة، وإنما ارتبطت بالعقيدة الجنائزية المصرية وبفكرة استمرار وجود المتوفى بعد الموت.

كما تظهر داخل بعض المقابر نصوص ونقوش تساعد على التعرف على أصحابها وعلى جوانب من حياتهم ومكانتهم.

الباب الوهمي.. طريق إلى العالم الآخر

ومن أكثر العناصر إثارة داخل هذه المجموعة وجود الأبواب الوهمية.

فقد ضمت بعض المصاطب بابين وهميين، ارتبط وجودهما بالمعتقدات الجنائزية للمصري القديم، حيث كان يُنظر إلى الباب باعتباره نقطة رمزية يمكن من خلالها لروح المتوفى التواصل مع عالم الأحياء وتلقي القرابين.

وهنا تتحول قطعة معمارية ثابتة إلى عنصر يحمل معنى دينيًا عميقًا؛ فالمصري القديم لم يكن ينظر إلى المقبرة باعتبارها مجرد مكان لحفظ الجثمان، وإنما باعتبارها فضاءً متكاملًا لاستمرار حياة المتوفى في العالم الآخر.

«ني عنخ كاي».. مقبرة مميزة

ومن بين المجموعة تبرز المقبرة الثانية، المعروفة باسم «ني عنخ كاي»، والتي تأخذ شكل المصطبة.

وتضم المقبرة حجرة قرابين صغيرة وطويلة، إلى جانب تماثيل لصاحب المقبرة وأفراد أسرته، فضلًا عن النصوص المنقوشة التي تضيف جانبًا توثيقيًا إلى المكان.

وتمنح هذه العناصر مجتمعة فرصة للتعرف على جانب من طقوس الدفن والعقائد التي ارتبطت بالحياة الأخرى، إلى جانب إلقاء الضوء على الأسرة ومكانتها وعلاقتها بالمؤسسة الدينية.

لماذا تبدو مقابر فريزر مختلفة؟

No photo description available.

اللافت في مقابر فريزر هو الجمع بين شكل المصطبة والنحت في الصخر.فالمصطبة من الأشكال المعروفة في العمارة الجنائزية المصرية القديمة، لكنها في هذه المنطقة اتخذت صورة مختلفة نتيجة طبيعة الموقع.

وبدلًا من بناء المصطبة فوق الأرض باستخدام الأحجار، جرى تشكيل الفراغات والعناصر المعمارية داخل الكتلة الصخرية، مع الحفاظ على مجموعة من العناصر التي ارتبطت بهذا النوع من العمارة الجنائزية.

وهذا التداخل بين التصميم والموقع الطبيعي يجعل المجموعة نموذجًا يستحق الدراسة، خاصة أنه يعكس قدرة المصري القديم على تكييف العمارة الجنائزية مع البيئة المحيطة.

قصة اكتشاف أعادت الموقع إلى الواجهة

وترتبط المقابر في المصادر الحديثة باسم المهندس المدني البريطاني جورج ويلوبي فريزر، الذي ساهم في التعريف بها وإبرازها أمام الجمهور، فأصبح اسمه مرتبطًا بالموقع.

وتعود عمليات الكشف عن المقابر إلى القرن التاسع عشر، قبل أن تحظى باهتمام أوسع من خلال ما نشره فريزر عنها، لتصبح المجموعة معروفة باسمه.

وبعد سنوات طويلة، أُتيحت المقابر للزيارة أمام الجمهور، ليصبح الموقع جزءًا من خريطة المواقع الأثرية التي يمكن للزائر اكتشافها في محافظة المنيا.

طهنا الجبل.. طبقات من التاريخ

ولا يمكن فصل مقابر فريزر عن أهمية طهنا الجبل نفسها، فالمنطقة تحمل شواهد أثرية متعددة تعكس امتداد النشاط البشري والديني فيها عبر عصور مختلفة.

وتأتي المقابر لتضيف طبقة جديدة إلى هذا المشهد، فهي تقدم صورة عن جبانة مرتبطة برجال الدين وأصحاب المكانة خلال عصر الدولة القديمة.

ومن خلال النقوش والتماثيل والتخطيط المعماري، يستطيع الزائر أن يقرأ جانبًا من عالم مختلف؛ عالم كانت فيه المقبرة امتدادًا للعقيدة، وكانت التفاصيل المعمارية تحمل معاني تتجاوز وظيفتها المادية.

مقابر منحوتة.. وذاكرة لا تزال حاضرة

No photo description available.

وبعد آلاف السنين، لا تزال مقابر فريزر تحتفظ بقدرتها على رواية جانب من قصة المصري القديم، ليس من خلال المقابر الملكية الضخمة وحدها، وإنما عبر عالم آخر عاش فيه كبار الكهنة وأفراد الأسر ذات المكانة.

فالممرات والمقصورات والتماثيل والأبواب الوهمية والنقوش ليست عناصر منفصلة، وإنما أجزاء من تصور متكامل عن الموت والحياة والخلود.

وربما تكمن أهمية الموقع في هذه التفاصيل؛ ففي طهنا الجبل لم يحتج المصري القديم إلى بناء مصاطب ضخمة من الأحجار ليترك أثره، بل حفرها داخل الجبل نفسه، وحوّل الصخر إلى مقابر تحمل ملامح العمارة الجنائزية وتحتفظ بأسماء أصحابها وطقوسهم.

وهكذا تبقى مقابر فريزر واحدة من الصفحات اللافتة في تاريخ المنيا، وموقعًا يكشف كيف استطاع المصري القديم أن يمزج بين طبيعة المكان ومعتقداته وفنونه وعمارتها، ليترك بعد آلاف السنين أثرًا لا يزال قادرًا على سرد حكايته.

تم نسخ الرابط